وحديث ابن عباس السابق ورد له رواية بلفظ: (فإنه من خرج من السلطان شبرا مات ميتة جاهلية) ، وفي الرواية الأخرى: (فإنه من فارق الجماعة شبرا فمات إلا مات ميتة جاهلية) ، فكلمة"الجماعة"في الرواية الثانية؛ معناها جماعة المسلمين التي في طاعة السلطان، وليس المراد بها أي جماعة، فالجماعة المراد بها اجتماع الناس على السلطان.
ويؤيد هذا الفهم حديث عرفجة عند مسلم فيمن يخرج على إمام المسلمين، فوصفه رسول الله صلى الله عليه وسلم بأنه يشق عصا المسلمين ويفرق جماعتهم، وهذا معناه أن الخروج على السلطان؛ هو الخروج على جماعة المسلمين.
فعن عرفجة قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (إنه ستكون هنات وهنات، فمن أراد أن يفرق أمر هذه الأمة وهى جميع فاضربوه بالسيف كائنا من كان) .
وأوضح من هذا الرواية الأخرى عن عرفجة أيضا؛ أنه سمع رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: (من أتاكم وأمركم جميع على رجل واحد يريد أن يشق عصاكم أو يفرق جماعتكم فاقتلوه) .
و"اللام"في لفظ الجماعة للعهد وليست للجنس، أي أن هذا الوعيد في الحديث في حق من خرج على جماعة معينة وليس أي جماعة، والقرينة التي وردت في سياق الحديث ترجح هذا، وهي قوله صلى الله عليه وسلم: (من رأي من أميره شيئا يكرهه فليصبر) ، فالجماعة المرادة هي جماعة المسلمين التي في طاعة السلطان، كما في حديث حذيفة: (تلزم جماعة المسلمين وإمامهم) .
ومن أوضح النصوص في هذا الشأن؛ ما رواه مسلم عن أبي هريرة مرفوعا: (من خرج من الطاعة وفارق الجماعة ثم مات، مات ميتة جاهلية) ، وفي الرواية الأخرى للحديث: (فكأنما خلع ربقة الإسلام من عنقه) [رواه بهذا اللفظ الترمذي وابن خزيمة وابن حبان وصححه من حديث الحرث بن الحرث الأشعري.] .
قال العلماء: (قوله:"من الطاعة"؛ أي طاعة الخليفة الذي وقع الاجتماع عليه،"وفارق الجماعة"؛ أي خرج عن الجماعة الذين اتفقوا على طاعة إمام انتظم به شملهم واجتمعت به كلمتهم وحاطهم عن عدوهم) اهـ. [سبل السلام: 3/ 1228، باب (قتال أهل البغي) ]