وكثيرًا ما كان يفسح لهذا المطمح مجالًا في صدور قصائده التي يمدح به أمراء زمانه، وبذلك يتنكب نهج لشعراء في تصدير قصائدهم بالغزل ويتغزل هو بقدود الرماح وبيض الصفاح، ويتغنى بالجلاد والكفاح، فكأنه يقول لهم: لكم ليلاكم ولي ليلاي ولكل أن يتغزل بحبيبته. قال في صدر قصيدة يمدح بها علي بن أحمد الأنطاكي:
أطاعن خيلا من فوارسها الدهر ... وحيدًا وما قولي كذا ومعي لصبر
وأشجع مني كل يوم سلامتي ... وما ثبتتْ إلا وفي نفسها أمر
تمرست بالآفات حتى تركتها ... تقول أمات الموت أم ذعر الذعر
ولا تحسبن المجد زقًا وقينة ... فما المجد لا السيف والفتكة البكر
وتضريب أعناق الملوك وأن ترى ... لك الهبوات السود والعسكر المجر
وفي صدر أخرى يمدح بها علي بن أحمد المري:
ل افتخار إلا لمن لا يضام ... مدرك أو محارب لا ينام
أقرارًا ألذ فوق شرار ... ومرامًا أبغي وظلمي يرام
دون أن يشرق الحجاز ونجد ... والعراقان بالقنا والشام
ولم يفارقه هواه في ليلاه بعد أن حل بكنف سيف الدولة ووجد فيه ذلك الملك الهمام، ملء العين والسمع والفؤاد، فهو ذا يقول:
ولقد ذخرت لكل أرض ساعة ... تستجفل الضرغام عن أشباله
تلقى الوجوه بها الوجوه وبينها ... ضرب يجول الموت في أجواله
أما في مصر فقد صانع الأسود أولًا ثم لما أعياه أمره نفث من سمه ما شاء، وفارقه على تلك الحال المعلومة، حتى ضمته الكوفة إلى صدرها، وهناك أملى قصيدته المشهورتين المقصورة والميمية، وأودعهما ذلك اللهيب المتأجج، فمن قوله في الثانية:
ما زلت أضحك إبلى كلما نظرت ... إلى من اختضبت أخفافها بدم
أُسيرها بين أصنام أشاهدها ... ولا أشاهد فيها عفة الصنم
حتى رجعت وأقلامي قوائل لي ... المجد للسيف ليس المجد للقلم
أكتب بنا أبدًا بعد الكتاب به ... فإنما نحن للأسياف كالخدم
وهنا كرر إيمانه بهذه الحقيقة: