أسمعتني ودوائي ما أمرت به ... فإن غفلت فدائي قلة الفهم
وهذا الإيمان لم يمنع شاعرنا من ارتياد عضد الدولة وامتداحه؛ فهل نتهمه بقلة الفهم على حد تعبيره هو؟ لا. والذي يلوح لنا من منطق الحوادث أن شاعرنا رأى يده فارغة وأن الإقدام على الثورة يتطلب رجالًا، ولا رجال في مثل ظروف شاعرنا إلا بالمال، فانطلق يلتمسه في مواطنه؛ ويظهر أنه جاء بما فيه البلغة، ولكن المنية حالت دون الأمنية، ولنا على هذا كلام يضيق الوقت عن بسطه.
والمال في نظر أبي الطيب إنما هو وسيلة إلى غيره، وقد اتهمه بعض حساده بالشح وفي طليعتهم أبو بكر الخوارزمي ذلك الشتامة الذي لم يسلم من أوضار لسانه إلا القليل.
وحالة شاعرنا تنطق ببراءته من هذه التهمة. أما أقواله فبرهان آخر:
وما حاجتي في عسجد أستفيده ... ولكنها في مفخر استجده
غَثاثة عيشي أن تغث كرامتي ... وليس بغث أن تغث المآكل
ومن ينفق الساعات في جمع ماله ... مخافة فقر فالذي فعل الفقر
بقى علينا أن نسأل من أين تسربت هذه الفكرة إلى رأس أبي الطيب؟ والجواب أن لنفسه المجبولة على التعالي أقوى نصيب في تكوين هذه الفكرة وتغذيتها وتنميتها، فقد خلق شاعرنا شجاع لقلب، أبي النفس، حمي الأنف، خصيب العقل، ملتهب الفطنة، فياض العاطفة، صبًا بمعالي الأمور زاهدًا في سفسافها.
والعامل الآخر في هذه الفكرة الأوضاع السياسية في البلاد الإسلامية يومئذ، فقد كانت هذه البلاد مسرحًا للفتن والدسائس، ونهبًا مقسمًا بين رجال الثورات وأرباب الدعوات وأهل الختل والغدر، وقد ساهم في ذلك حتى العبيد، وحسبك بكفور على ذلك مثالًا فقد صار:
يدبر لأمر من مصر إلى عدن ... إلى العراق فأرض الروم فالنوب
فما بالك بفتى يعربي توفرت فيه كل أسباب السيادة ومزايا الرياسة؟
ولكن ما الحيلة وقد كبا به جده دون الغاية، وحالت المنية دون الأمنية؟ ولا ضير فقد سعى وليس عليه إدراك النجاح.
على أن الجد الذي خانه في ميدان السياسة، حلق به في سماء المجد الأدبي فأطلعه فيها شمسًا تفيض بالنور على مر الدهور؛ وإن أخطأته إمارته السياسية فقد اعتزت به إمارته