ولو أتيح لك أن تطالع الرسائل التي خطها نابليون إلى جوزفين لقرأت فيها آيات الحب مسطورة، ذلك الحب المضطرم الذي ظلت حرارته متأججة من يوم أن عرفها وهو يحبو في طريق المجد إلى يوم بات في ذروة القوة وقمة السلطان.
على أن وضع الخطة لاجتياز جبال الألب والانحدار إلى سهول لومبارديا والانقضاض على الجيوش النمساوية وسحقها سحقًا، كل أولئك قد استغرق وقت نابليون واستنفد جهوده حتى قلت زيارته لجوزفين. ولم تكن إلا تكن إلا في شهر يناير من عام 1796 حيث تقدم لها بطلب الزواج ولقي ذلك الطلب قبولًا.
وكانت جوزفين لا تزال مترددة، فأحبت أن تفزع إلى نصيحة موثق العقود الأستاذ راجيدو، فلما أقبلت على مكتبه توسلت إلى نابليون أن ينتظرها في غرفة الاستقبال، ولم يكن من شأن نصيحة كاتب العقود أن تنتشل جوزفين من غمرة التردد إذ قال لها: (إيه لك! أو تتزوجين بجنرال لا يملك غير الكبود والسيف؟ فإذا صح أنه يملك شيئًا فإنما يملك كوخًا حقيرا! إنه لجنرال صغير، لا اسم له، ولا مستقبل! تجيء مرتبته وراء مراتب جميع قواد الجمهورية! إنه لخير لك أن تقترني بمورد للجيش!) .
ولم يكن نابليون يسترق السمع؛ على أن الباب كان نصف مغلق، وبذلك تطاير إلى سمعه حديث موثق العقود، فملك عواطفه ولم ينبس ببنت شفة؛ ثم استطاع أن يثأر لكرامته الجريح بعد ثماني سنين. ففي غداة حفلة التتويج، استدعى الرجل الطيب راجيدو إلى قصر التويلري وأعطاه مكانًا في الصف الأول بكنيسة نوتردام حيث تقام حفلة تتويجه إمبراطورًا لفرنسا، وبذلك يتاح له أن يرى بعينيه التي في رأسه إلى أية ذروة من ذرى المجد يستطيع الجنرال الصغير الذي لا مستقبل له أن يسمو بموكلة موثق العقود الأستاذ راجيدو!
وفي 23 فبراير نودي ببونابرت قائدًا عامًا للحملة الإيطالية، وحدد للزواج يوم 9 مارس سنة 1796. وفي أوراق الزواج أنقصت جوزفين من عمرها أربع سنين سويًا، وزاد نابليون في عمره سنة كاملة! فالتقى الزوجان في العمر وإن لم يتلاقيا في الحب!
على أن حملة المتهجمين على نابليون لا تقف عند حد. لذلك نرى جمهرة المؤرخين يملئون أفواههم بأن قيادة الحملة الإيطالية كانت هي البائنة (الدوطة) التي أعطاها باراس إلى جوزفين.