أمامي صور أخوتي وأهلي وإخواني، وذكرت سهراتنا البيتية، ومجالسنا الأدبية، وهذه الحفلات الوداعية الكثيرة التي تفضلت فأقامتها أسرة التعليم، وجمعية التمدن الإسلامي، والمدرسة التجارية، تكريمًا لي قبل أن أعمل شيئًا أستحق عليه التكريم، وأفيض فيها عليّ من النعوت ما ليس فيّ ولا أستحق الأقل منه. . . وذكرت من دمشق كلّ حبيب إليّ جميل في عيني، فازددت بها تعلقًا، ووددت لو أني أبيت فلم أذهب ولم أتغرّب.
وكانت الصحراء قد امتدت من حولنا، وأحدقت بنا، وصرنا في قبضتها لا شأن لنا ولا خطر، وآضت هذه السيارات الفخمة التي كانت تمل الشارع بطوله وعرضه، وكانت تعد وهي في دمشق شيئًا عظيمًا، أهون على الصحراء من حبة رمل! وضاعت في أرجائها فلم تعدْ تعدّ شيئًا. وكان قد بلغ مني الحزن، وحزّت في نفسي لوعة الفراق، فأغمضت عينيّ ورجعت إلى نفسي، حتى إذا استروحت فتحتهما وجعلت أحدّق في هذه البادية، فأرى السيارة تعدو فيها تسرع حتى نحسّ كأنها تطوي الأرض طيًا؛ وأراها تلهث من التعب، والبادية باقية على حالها، كأننا لم نقطع منها شبرًا، وكأننا بعد في أماكننا. ولست غريبًا عن البوادي، فقد عرفتها في رحلتنا تلك. . . إلى مكة. وبقيت فيها سبعة عشر يومًا. ما من ساعة منها إلا وهي أشد من عشرة أسفار إلى بغداد؛ ولكن هذه البادية (بادية الشام) ، تختلف عن جزيرة العرب؛ ففي الجزيرة مناظر متباينة، وأراض مختلفة، فيها الجبل وفيها السهل، وفيها الوعر وفيها الرمل، وما في هذه إلا شيء واحد لا يكاد يختلف أو يتغير، أرض منبسطة ترابية قاحلة، تمتد إلى الأفق، كأنها بحر ليس فيه ماء! فكنا نقرأ ونتحدث لنقطع الصحراء بحديثنا، فتقطع الصحراء بصمتها وجلالها حديثنا، وكنا ننام ونفيق والصحراء هي هي. . . حتى قطعنا يومًا كاملًا، وكان صباح اليوم التالي، (وللصباح في البادية جمال وروعة، لا يكون مثلهما في المدن) وبدّدت الشمس ظلمة الليل، فتبدَّدت من نفسي ظلمة الكآبة والحزن، وانزاحت عني نوبة المرض، (وما العاطفة الرقيقة المؤنّثة إلا مرض في الرجال. . .) فصحوت، ونظرت في أمري فإذا أنا لم أغترب ولم أفارق بلدي. وهل بغداد إلا داري وبلدي وفيها أهلي وأخوتي، إن لم تقرر هذه الأخوّة الأنظمةُ ولم تسجّل في الدساتير، فلقد قررها الله من فوق سبع سمواته وسجّلها في القرآن: (إنما المؤمِنون إخْوَة) . وليس ينقض ما أبرم الله، وإن فرقت بيننا شارات على الأرض، وألوان على المصوّر،