هذه الكلمة وندت عن فمها أخيرًا، وظاهرها يتلألأ بالصدق على أن باطنها كان مظلمًا قاتمًا. . . (أحبك. . . ألست كلي لك؟) .
وكنا بعيدين عن المدينة، والحقول المغطاة بالثلج ترنو إلى النوافذ المظلمة، وفوقها الظلام مخيم، وحولها الظلام جاثم، الظلام الكثيف الجلد الصامت الساكن، ولكن الحقول كانت تلمع بضوئها المكتنز كوجه جثة في الظلام. . . وأضاءت شمعة واحدة في الغرفة الرحبة الشديدة الحرارة، وعلى ضوئها الأحمر انعكست الحقول الميتة. . .
(أود أن أعرف الصدق، بغضّ النظر عما يسببه لي من حزن؛ ربما مت بعد سماعه. . . ولكن خير للمرء أن يموت من ألا يعرفه. أرى الكذب يطل من عينيك. قولي الصدق، وسأذهب بعد ذلك بعيدًا عنك إلى الأبد) .
ولكنها كانت صامتة، والنظرة التي في عينيها، النظرة الجامدة المتفرسة نفذت إلى سويداء قلبي وأخرجت أعماق نفسي وأبدتها للعيان. . . وأخذت بفضول غريب أمتحنها وأنعم النظر فيها، ثم صحت بها:
(أجيبي. . . وإلا قتلتك!) .
فأجابت بهدوء: (اقتلني. . . بعض الأحيان يضيق المرء ذرعًا بالحياة. . . هل تستطيع الوقوف على الحقيقة بالتهديد؟!) .
فجثوت على ركبتي وضغطت على يدها، وأخذت أتوسل إليها وأرجوها أن ترحمني وتقول الصدق.
فقالت، وقد وضعت يدها على شعري: (مسكين. . . مسكين. . .) .
فرجوتها: (ارحميني. . . أود الصدق. . . أتلهف عليه. . .) .
ونظرت إلى جبينها الناعم، وفكرت في أن الصدق الصراح هنالك. . وراء هذا الفاصل الرقيق، فوددت بجنون لو هشمت جمجمتها لأراه، وهنا تحت هذا الصدر المرمري الأبيض كان قلبها ينبض، فوددت لو مزقت هذا الصدر بمخالبي لأرى ولو مرة القلب البشري العاري. . . وكان لهب الشمعة المحدد كالسنان يشتعل بعيدًا ساكنًا لا يتحرك، والجدران المظلمة قد غابت في القتامة المحيطة، كان كل شيء يبعث على الأسى والوحشة والرعب.
وقالت: (مسكين. . . . مسكين) .