تهتم فرنسا دائمًا بأن تساهم في توجيه الثقافة في حوض البحر الأبيض المتوسط مساهمة قوية، ففي روما وفي أثينا، وفي مصر وسوريا، وفي تركيا، تقوم معاهد فرنسية كبيرة لنشر الثقافة الفرنسية؛ وفي موناكو (جنوب فرنسا) تقوم أكاديمية خاصة تسمى أكاديمية البحر الأبيض المتوسط، مهمتها أن تساهم في تأدية هذا الدور الذي تضطلع به فرنسا، وقد أذيع أخيرًا أن هذه الأكاديمية أنشأت معهدًا عاليًا للتربية يسمى (كلية البحر الأبيض المتوسط) تعقد فيه محاضرات ودراسات عالية في الحضارات والثقافات الخاصة بأمم البحر الأبيض المتوسط منذ العصور الغابرة إلى يومنا، ويقوم على توجيه هذه الدراسات عدة من علماء فرنسا ومفكريها الأعلام، وفي مقدمتهم المسيو بول فاليري الشاعر الكبير ورئيس مركز هذه الدراسات، ومسيو شارل فيلاي، وأندريه بونيه العالم الأثري، وجان دستيه المتخصص في آداب البحر الأبيض، وغيرهم من كبار الأساتذة والمفكرين.
ويرجع اهتمام فرنسا بتوجيه الثقافة في أمم البحر الأبيض المتوسط إلى عهد الصليبيين؛ وقد بدأت فرنسا بهذه المهمة فعلا في بلاد لبنان منذ القرن الرابع عشر الميلادي، ولعبت المعاهد الفرنسية في تثقيف الشعب اللبناني دورًا كبيرًا.
وفاة ملك النوَر
توفي أخيرًا في سانت بلتن من أعمال النمسا ملك النوَر بطرس فادوس وقد يبدو غريبًا أن نتحدث عن ملك النوَر ولكن الواقع أن النوَر (أو الغجر) وهم في أواسط أوربا ولا سيما في بولونيا والمجر ورومانيا كثرة تبلغ نحو المليون لهم ملك يختارونه بالانتخاب، وقد كان فادوس آخر ملوكهم، وهو من النوَر النمسويين؛ وعند وفاته ازدحمت سانت بلتن بالوافدين عليها من زعماء النور وأعيانهم من جميع أنحاء النمسا والمجر، وغمر منزل الملك المتوفى بالزهر، وتولى السهر على جثته طبقًا للعادات النوَرية اثنا عشر من خاصة أسرته؛ واقتيد نعشه إلى القبر في موكب حافل، وكان المشيعون رجالًا ونساء يرتدون الثياب الرسمية، وهم زهاء ألف من مختلف الطبقات والأعمار. ولما ووري التراب أخذ النساء ينشدن الأغنية المحزنة وفي تقطيع شعورهن طبقًا للعادة؛ ثم طاف الجميع بالقبر حفاة الأقدام. ولما كان قانون النوَر يقضي بانتخاب الملك الجديد في مدى ثلاثة أيام من