المعرّي الشكّ (في تلك الأخبار) أو تكذيبها ليس يقومُ أيضًا دليلًا على صحتها، وليس المعرّي بمنزه عن الخطأ والغفلة، وهو من هو، فذهاب وجه النقد عن المعرّي ليس يكون طعنًا فيه، ولا يوجب نسبة الكذب إليه، ولا ينفي صفة الصدق عنه). وليس يذهب عن أحد من القراء أننا أردنا بهذا الكلام أن ندفع ظنَّ من يظنَّ - أي الناس كان - أن توقفنا دون التسليم بما رواه المعري في خبر نبوة أبي الطيب، أو نقدنا له، أو تكذيبنا أو إسقاطنا لما روي - يكون طعنًا فيه، أو يعد مما يوجب نسبة الكذب إلى أبي العلاء. ولكن الأستاذ سعيدًا ترك هذا، وأراد أن يبالغ وينشئ حول كلامه (خطا من النار) ، فأخذ كلمتنا: (وليس المعري بمنزّه عن الخطأ والغفلة) وردّها بقوله: (وأنا لم أدّع للمعري تنزهًا عن الخطأ) ، فكيف - أيهذا الأستاذ سعيد - تزعم أننا قلنا إنك ادعيت للمعرّي تنزهًا عن الخطأ وكيف تخرّج هذا الذي ذهبت إليه من كلامنا؟
ليعلم الأستاذ أني لا أحفلُ بمثل هذا، ولا أنظر إليه، ولا أقف عنده، ولكني أبينه له ولغيره، ليعلم أن كل أحد يستطيع أن يقول ما يشاء فيما يشاء على أي وجه يشاء. . . ولكن ذلك لا يجوز على أحد، ولا يغفل عنه من قرأ الأول والآخر، ونظر وفهم وجمع وعرف معاني الكلام، وكيف خرج وإلى أين ينتهي؛ وليعلم أيضًا أن كل أحد يستطيع أن يفهم من الكلام ما يشاء على غير قاعدة من منطق أو عربية، ولكن فهمه لا يكون حجة يأتي بها الناس ويظهر بها عليهم، ويحاول أن يسقط أقوالهم بها. لابد للكلام من منطق عقل وفقه عربية حتى يفهم، وإلا أصبحت المعاني فوضى لا ضابط لها ولا وكيل عليها ولا حفيظ.
وللقارئ أن ينظر إلى فعلات الأخ سعيد هذه فقد قلنا في كلمتنا الأولى (الرسالة عدد 167) عند رد اعتراضه: (إن هذا الخجل الذي يزعمونه إنما هو من أباطيل(الرواية) ، وقد أتى به القوم ليعضدوا قولهم في خرافة النبوة. . . الخ) فجاء ينقل هذا في كلامه مرتين هكذا (إن هذا الخجل الذي يزعمونه إنما هو من أباطيل(الرواة ) ) فنحن نقول: (الرواية) ، وهو يقول على لساننا (الرواة) وبين اللفظين فرق (كبير) في عربيتهما وفي موقعهما من الكلام. ولو أردنا الذي أراده الأخ سعيد لكلامنا لقلنا (من أكاذيب الرواة) . ولو رجع الأخ إلى كلامنا الذي أعقب هذه الكلمة لعلم لم قلنا (أباطيل الرواية) ولم نقل (أكاذيب الرواة) . هذا على أني أقول أيضًا إن الذي زعموه من خجل أبي الطيب حين كان يسأل عن أمر لقب المتنبي -