كانوا يمقتون نكث العهد الذي اتفق عليه بين التاجر وعميله. أو الضيف ومضيفه، وأدب العرب زاخر بالشواهد الجمة على صدق هذا الفضل. وأقرب مثال إلى ذلك قصة السموأل الذي يضرب به المثل في الوفاء فيقال هو (أوفى من السموأل) أو (وفاء كوفاء السموأل) ويقال إنه كان صاحب الحصن المعروف بالأبلق، واحتفر فيه بئرًا عذبة، وكانت العرب تنزل به فيضيفها، وتمتار من حصنه. ويقال إن امرأ القيس لما سار إلى الشام يريد قيصر نزل على السموأل ومعه أدراع كانت لأبيه ورحل إلى الشام فوجه ملك الحيرة جيشًا تحت إمرة الحرث بن ظالم ثم قال للسموأل (أتعرف هذا؟) قال نعم هذا بني. قال: (أفتسلم ما قبلك أم أقتله؟) قال: (شأنك. فلست أخفر ذمتي ولا أسلم مال جاري) فضرب الحرث وسط الغلام، فقطعه قطعتين، وانصرف عنه فقال السموأل:
وَفيتُ بأدرع الكندِي إني ... إذا ما ذُمَّ أقوام وَفيت
وأوصي عاديًا يومًا بألا ... تهدُم يا سَموأل ما بَنيت
بنى لي عاديًا حِصنًا حصينًا ... وماء كلما شِئت استقيتُ
كما أن المثل البدوي الأعلى للكرم والسخاء هو حاتم طيء، الذي يروى عنه كثير من الأقاصيص المستطرفة، ويمكننا أن نعرف نظرة البدوي إلى هذا الموضوع مما ذكره الأغاني من أن أم حاتم وهي حبلى رأت في المنام من يقول لها: أغلام سمح يقال له حاتم أحب إليك أم عشرة أغلمة كالناس، ليوث ساعة البأس، ليسوا بأوغال ولا أنكاس؟ فقالت حاتم، فولدت حاتمًا، فلما ترعرع جعل يخرج طعامه فإن وجد من يأكله معه أكله، وإن لم يجد طرحه، فلما رأى أبوه أنه يهلك طعامه قال له: إلحق بالإبل، ووهب له جارية وفرسًا وفلوهًا، فلما أتى الإبل طفق يبغي الناس فلا يجدهم. ويأتي الطريق فلا يجد عليه أحدًا، فبينا هو كذلك إذ بصر بركب على الطريق فأتاهم فقالوا: يا فتى هل من قرى؟ فقال تسألونني عن القرى وقد ترون الإبل؟ وكان الذين بهم عبيد بن الأبرص وبشر بن حازم والنابغة الذبياني، وكانوا يريدون النعمان فنحر لهم ثلاثة من الإبل فقال عبيد: (إنما أردنا بالقرى اللبن، وكانت تكفينا بكرة إذا كنت لابد متكلفًا لنا شيئًا) فقال حاتم (قد عرفت ولكنني رأيت وجوهًا مختلفة وألوانًا متفرقة، فظننت أن البلدان غير واحدة، فأردت أن يذكر كل واحد منكم ما رأى إذا أتى قومه) فقالوا فيه أشعارًا امتدحوه بها وذكروا فضله فقال حاتم: