تحت ظلال شهر يوليه المطير، تسير أنت في خطوات هادئة وفي صمت لا يشعر به
الرقيب.
واليوم أغمض الصباح جفنيه، لا يعبأ بصفير الرياح الشرقية وهي تلح في ندائها، وقد
أسدل نقاب كثيف على وجه السماء الأزرق المتألق.
وأمسكت الغابة عن ترديد لحنها، وغلقت الأبواب؛ وأنت. . . أنت يا عابر السبيل
تضرب في الطريق الصحراوي وحيدًا. أوه، يا صديقي العزيز، يا من أحب، إن باب داري مفتوح على مصراعيه فلا تمر به كأنك حالم.
يا صديقي، أفِأنت في العراء تتم رحلة الهوى في هذه الليلة العاصفة؟ وإن السماء تئن
كأنها مصدور بنفس عن نفسه.
لقد أرقت الليلة، يا صديقي وباب داري مفتوح فأنظر إليه في هذا الظلام الدامس. أنا لا
أرى - في هذا الظلام - شيئًا مما أمامي، فلا أستطيع أن أجد الطريق إليك.
عند شاطئ أي نهر مظلم قاتم، لدى حافة أية غابة سوداء حالكة، وفي ثنايا أي عمق معتم
مضل، جلست يا صديقي، ترسم في نفسك الطريق إلي.
إذا انطوى النهار، وصمتت الطيور الغريدة، وهدأت الرياح الزفزافة؛ فانشر علي قناعًا
صفيقًا من الظلمة كما نشرت على الأرض أستار النوم، وكما لففت أوراق زهرة اللوتس الذابلة في غيابة الظلام.
نحِّ عن السائح الذي نفد زاده، وتمزقت ثيابه، وتشعث وأغبر، وخارت قوته، انطفأت
منته، قبل أن يبلغ غايته. . . نحِّ عنه الضنا والفقر، وانفث فيه من روح الحياة ليكون كزهرة تلفعت برداء الليل الرفيق.
في الأمسية التي أكدّني فيها الجهد، دعني أنم هادئًا وفي نفسي الأيمان بك.