هذا السبيل فاشلة، وإن الإنسان لا يصل أبدًا إلى الانسجام المطلق في جميع حركاته وإنما يصل إلى انسجام نسبي يقترب من الإطلاق بعض الشيء، وإن التأمل وحده ليس كافيًا، وإنما يجب أن تضم إليه الثقافات والمعارف الخارجية، بل أن الثقافة هي الجوهر الأساسي للوصول إلى المعرفة والفضيلة الكاملتين، وهو لهذا يقول: (إن الشغوف بالدراسة يمنح الفضيلة الحكمة، وإن من يقوم بمجهود يمنح فضيلة حب الإنسانية، وإن الذي يحمر وجهه خجلًا من أنانيته يمنح فضيلة القوة) وهذه الفضائل الثلاث هي عنده الواجب أو ضروريات الكمال. وهو يرى أن الدراسة المحققة للثقافة والفضيلة يجب أن تتناول حقائق الأشياء: معنوياتها ومحساتها تناولًا دقيقًا مؤسسًا على النقد الذي لا يعرف هوادة ولا لينًا، ولا يخضع لرحمة ولا عاطفة ولا هوى، فإذا نبت الدراسة عن هذه العوائق أنتجت أسمى النتائج وأرقاها. وفي هذا يقول: (حينما تدرس طبيعة الأشياء عن قرب وبانتباه تصل المعرفة إلى أعلى آواجها. وحينما تبلغ المعرفة أقصى آواجها تصبح الإرادة كاملة، وحينما تصبح الإرادة كاملة تصير حركات القلب منظمة متفقة مع القانون. وحينما تصبح حركات القلب منظمة يتخلص الإنسان من الآثام. وبعد أن يتخلص الفرد من الآثام يشرع في توطيد دعائم النظام والانسجام في الأسرة. وإذا ساد الانسجام في الأسر بلغ الحكم في المدينة درجة الكمال، وإذا بلغ الحكم في المدينة حد الكمال استمتعت الإمبراطورية بالسلام التام)
أحسب انه بعد كل الذي قدمناه من آراء هذا الحكيم القيمة وبعد هذه الموازنة التي أسلفناها بينه وبين أولئك الفلاسفة القدماء والمحدثين لا معنى لأن يغمطه بعض الباحثين الغربيين حقه فيرموه تارة بأنه ليس فيلسوفًا، وأخرى بأنه عملي أو نفعي. وأحسب كذلك أنه لا ينبغي أن نتأثر في حكمنا على هذا الفيلسوف بذلك التشويه الذي أصاب مذهبه بعد عصره، بل يجب علينا أن نضع نصب أعيننا ذلك السمو الفلسفي، والنبل الأخلاقي اللذين تفيض بهما مؤلفات (كونفيشيوس) وأن نذكر دائمًا أنه وضع للمتفلسف ثلاثة شروط أساسية، الأول الإخلاص الكامل في كل ما يخطوه من خطوات علمية أو عملية. الثاني البدء بدراسة (الأنا) ليتوصل به إلى كشف كل (اللاأنا) . الثالث الدراسة النقدية العميقة لجميع الأشياء الخارجية. فإذا لاحظنا كل هذا جزمنا بأن كل من لا يسمو بهذا الفيلسوف إلى الصف الأول من صفوف مفكري الإنسانية كان غير موفق في دراسته وحكمه.