الربح الوافر والغذاء الدسم
تلك الأرض التي كانت منذ سنوات صحراء جرداء تستوي مع جيرانها في أديمها الأصفر وهجيرها اللافح وشمسها المحرقة، أصبحت الآن بستانًا تهوى العين رؤيته وتتوق النفس إلى سكناه. وليس غرام البقعة قاصرًا على عشاق الطبيعة الذين يحبون جمعها بين الصحراء وتلالها الرملية وبين الماء والخضرة، بل إن هذا الغرام يمتد إلى التجار. ألم تسمع عن الثورة القائمة في دار النيابة؟ وهل سمعت أيضًا بحديث القتيل الذي راح ضحية المنافسة عليها عند البيع والشراء؟ فإذا لم تكن تعرف هذا فتيقن أن المزرعة مصدر ربح وفير، فإنتاجها حسب تقدير قسم البساتين بوزارة الزراعة يزيد على اثنين وعشرين ألفًا من الجنيهات.
صيد طائرين بحجر واحد
أما مساحة المزرعة فثلاثة آلاف وسبعمائة وخمسون فدانًا حولتها فضلات المجاري إلى حالتها الراهنة، إذ استعملت سمادًا عضويًا جيدًا لتغذية الأرض حتى أنتجت الأشجار والأثمار المختلفة. ولكن المشرفين رأوا أن يستفيدوا من الأرض في التجارة بزراعة الموالح من برتقال ويوسفي بأنواعهما. أما البقول والفول والشعير فاقتصر زرعهما على الاستهلاك المحلي لسكان المزرعة الذين يزيدون على ألف نسمة
ويزرع من هذه المساحة ألف فدان موالح، وهي الأرض التي يسمح باستغلالها في التجارة، وبذلك تكون هي منشأ النزاع وإن شئت الدقة قلنا الاستجوابات المطروحة في دار البرلمان. ويزرع من المساحة الباقية 150 فدانًا شعيرًا ومثلها فولًا و30 فدانًا غابات، ومثلها للنخيل وعشرة أفدنة للخضروات؛ أما الباقي فأراض بور لم يتم إصلاحها بعد، ولو توفر الماء لريها لصبحت كمثيلاتها؛ فالسماد العضوي الذي تجلبه إليها المجاري غذاء غني للنبات
وليست الناحية التجارية هي الأصل في إنشاء هذه المزرعة بل الغرض أسمى من ذلك، ففي مدينة القاهرة مجار تجمع الفضلات من المنازل لتلقيها بعيدًا عن الناس دون أن تكلفهم مشقة التعب في النقل وإيجاد المكان. وهذه المواد يجب أن يقتل ما فيها من جراثيم كما يجب أن تستهلك لتنعدم رائحتها وحتى لا تزيد وتتكاثر بمرور الزمن. ولذلك فكر ولاة