على أنه كان شجاعًا بطبعه في عصر كثيرًا ما كانت تعد الشجاعة فيه ضربًا من العصيان والتمرد كما سيأتي بيانه؛ لسوف نرى من مواقفه في هذا العصر ما يزيد معنى بسالته ويظهرها مضاعفة. . .
وأول ما عرف عنه في الجندية كراهته للعنصر الجركسي، فكان لا يفتأ يقارن بين نصيب هذا العنصر ونصيب المصريين من المناصب، فلا تزيده المقارنة إلا غضبًا وكراهية لهؤلاء الأجانب. أليست هذه النزعة من جانبه هي نزعة الوطنيين في الجيش حينما تبدأ الحركة العسكرية؟ ثم ألسنا نجد فيها جانبًا من الوطنية ومعنى من معانيها؟
ولكن بعض المؤرخين لا يفهم هذا من جانب عرابي إلا على أنه ضرب من الأنانية والجشع، بل ليسرف بعضهم فيرميه بالتبجح قائلين: ما لهذا الفلاح وعليا المراتب في غير جدارة؟ وإنهم في ذلك ليمتدحونه من حيث لا يشعرون! ولئن كان الطموح بالنفس والشعور بالقومية تبجحًا، فماذا نسمي التقاعد والتخاذل والاستخذاء أمام الأجنبي؟ ألا ليت كل تبجح يكون كتبجح عرابي هذا فما أعظمه وما أجمله، وما أجدره بالتقدير والإعجاب! وليت شعري كيف يستطيع رجل في مثل موقفه أن يقنع المكابرين أن نزعته كانت قومية يقصد بها بني قومه جميعًا؟ وأي عيب في أن يبدأ بنفسه فيرقى بها؟ أليس مصريًا؟ وهل كان يعتز بغير مصريته إذا اعتز بنفسه؟ على أنه لو أراد بالرقي نفسه فحسب دون أي اعتبار قومي، فما وجه العيب في ذلك؟ أيكون من العيب أن يتطلع الرجل إلى المعالي، ولا يكون من العيب أن يرضى بتقدم غيره عليه حتى ولو كان ذلك الغير أجنبيًا؟
إن الرجل المخلص لا يقف ليقول للناس إنه مخلص وفي ذلك شك منه في نفسه، ولا يكون هناك دليل على إخلاصه إلا ما يعمل في سبيل تحقيق مبدئه، أما الكلام فسبيله ميسور؛ وفي استطاعة كل مبطل أن يملأ أسماع الناس بدعوى إخلاصه في غير مشقة.
(يتبع)
الخفيف