فمنهم الأديب والعالم والتاجر وذو الأملاك، والذي يرزقه الله يومًا بعد يوم، وقد تعادل فيه هؤلاء جميعًا فلم يقو واحد منهم على أن يختص بالظهور فيه.
ويشبهه في ذلك الأستاذ الزيات. . . بل إنه يزيد عنه غموضًا في صوته، فهو لا يزال إلى اليوم يشبه أصوات الأطفال. . .
أما الرجل الجبار في هذا الوصول فهو الاقتصادي الفنان الكبير طلعت حرب. . . فهذا الرجل إذا لم تكن تعرفه ورأيته وأقسم لك جمهور من الناس بأنه طلعت حرب لما صدقت، فهو لا يبدو عليه أنه باشا، ولا أنه اقتصادي، ولا أنه صاحب مشروعات، ولا أنه صاحب جهاد، وإنما هو رجل منكسر ينثني رأسه وهو جالس إلى صدره ذلًا واستغفارًا، وتتطلع عيناه إلى السماء رجاء واستعطافًا، ويتهادى صوته في حديثه كأنما يخشى التعثر أو الخطأ، مع أنه اليوم في السبعين أو نحوها، ومع أنه الرجل الأول في مصر.
السنون مرت به ولكنها لم تفعل به شيئًا، والصعاب صدمته ولكنها لم تحفز في نفسه مجرى، وإنما كان يقبل في السنين الماضيات جميعًا على اليوم بعد اليوم، أو على الساعة بعد الساعة يبحث عن موضع الحق أين هو فيلصق به، والصعاب كانت تصدمه فكان يردها بدرع الحق أيضًا فلم تكن لتؤثر فيه، ولذلك استطاع أن يبقى إلى اليوم كأنه طفل كبر جسمه ولكن نفسه ما تزال صافية مرتاحة.
وإذا كان الوصول إلى هذا الصفاء لازمًا للناس جميعًا، لأنه أهم أسباب الراحة والاطمئنان، فهو ألزم ما يكون لأهل الفن ما دام تعبيرًا من حياة الروح عند صاحبه وعند غيره من الناس، فهذا الصفاء يمكن الفنان من الاطلاع على حقيقة نفسه كلما اعتراها طارئ من طوارئ الحياة، فيلحظ بهذا الاطلاع ما ينتاب النفس الطبيعية عند هذا الطارئ بالذات؛ فإذا ضمن صفاء نفسه واستقامتها فقد ضمن بها مقياسًا لا يخطئ يمكنه من الحكم على سائر النفوس وهي تحت تأثير الطوارئ المختلفة، فإذا لحظ بعد ذلك كيف تعبر نفسه عما تفعله بها الطوارئ، وكيف تنزع إلى الاستغراق في هذا الطارئ أو التنصل من ذاك الطارئ، استطاع بعد ذلك أن يقيس نفوس الناس على نفسه الصافية فإذا وجد اختلافًا بحث عن علته وسببه عندهم. . .
وهذه موضوعات للأدب، وللموسيقى، وللتمثيل، وللغناء، وللرسم، وللرقص. . .