الفتاة فردوس بنت أم فردوس؟. . . رجح ذلك مستدلًا بتحيتها له، وعلى أية حال كانت الفتاة خمرية اللون، سوداء العينين والشعر، ناهدة الثديين. . . فبدت لعينيه الريفيتين آية من الحسن، وكان يتمثل فردوس من قبل كأمها: غليظة، تسعى في الأسواق ملتفة بالملاءة اللف، فإذا به يجدها تلميذة لطيفة تسر الناظرين. . . فجرت ابتسامة على شفتيه الغليظتين، وولول قائلًا بلهجته الريفية: (وي وي يا بوي) . . . ولذ له أن يعيش في بيت واحد مع هذه الفتاة الجميلة، ولكنه كان قليلًا ما يسد برؤيتها بخلاف أمها التي كانت تقوم بتنظيف شقته، وتجالسه في أوقات الفراغ، وتحدثه - بمناسبة وغير مناسبة - عن شئون مختلفة وعن أناس كثيرين من الجيران، وقد ساق الحديث يومًا إلى ناحيته فسألته عن أسرته ومستقبله وصارحها الشاب بأنه من أسرة سيدهم!. . . وأنه يملك فدانين وعددًا من القراريط وجاموسة، وانه التحق بمدرسة الصنايع بعد أن قضى ثلاث سنوات بالمدرسة الثانوية وقال لها في شيء من المباهاة أنه سيكون يومًا ما مهندسًا وأصغت المرأة إليه باهتمام وانتباه وكانت تتمثل الفدانين والجاموسة والمهندس الشاب وتختلس منه نظرات عميقة تدل على الحذر والدهاء. . . ثم دعت له دعاء طيبًا بصوتها الأجش. . .
وسارت الحياة على وتيرة واحدة ولم يكن يغير من رتابتها إلا سفره كل أول خميس من الشهر إلى قليوب حيث يبيت ليلته ويعود مساء الجمعة حاملًا معه بيضًا وفطيرًا وزبدة يهدى إلى أم فردوس منها نصيبًا معلومًا. . .
وفي من الأيام وكانت المرأة تجالسه خاطبته قائلة:
-والنبي ياسي حماد تفهم فردوس الحساب لأنها ضعيفة فيه وابتهج الشاب بالدعوة أيما ابتهاج. ولم يكن الأمر سهلًا كما يبدو لأنه كان نفسه ضعيفًا في الحساب وكان بينه وبينه ثأر قديم منذ اليوم الذي اضطره فيه إلى اليأس من الاستمرار في المدرسة الثانوية وإجباره على اختيار مدرسة الصنائع بدل المدرسة الحربية التي كان على استعداد لأن يجود في سبيل الالتحاق بها ببيع الفدانين والجاموسة. ولكنه قبل الدعوة دون تردد وصعد إلى شقة أم فردوس، ووجد الفتاة وكأنها في انتظاره وكانت ترتدي فستانًا أنيقًا، وترسل شعرها الأسود في ضفيرة طويلة جاوزت ردفيها. فقامت لتحيته وجلسا تفصل بينهما مائدة وضعت عليها كراسة الحساب، وقالت لها أمها: إن (حماد أفندي قبل أن يدرس لها الحساب) وجلست