الفردوس في بغداد، واذكروني بالخير، فإن الدال على الخير كفاعله
والدمشقيون أكرم الناس، وأشدهم عطفًا على الغريب، وحبًا له، فهم يؤثرونه على الأهل والولد؛ ومدينتهم من أنظف المدن لتدفق مائها وكثرة أنهارها، ووصولها إلى الأحياء كلها ودخولها البرك في الدور، حتى لا يخلو حي من نهر. فنهر (يزيد) يسقى الصالحية، و (تورا) يسقى العقيبة وسوق صاروجا، و (باناس) يسقى، القيمرية، و (قنوات) يسقى حي القنوات، وقد أخذت مياه عين الفيجة (وهي أصفى العيون وأعذبها تنبع من جبل على عشرين كيلًا من دمشق) فسيرت مياهها في بطون حتى أبلغت دمشق فأدخلت دورها، فشرب منها الناس أعذب ماء وأبرده. والشاميون مولعون بالنظافة والطهارة، حتى أنه ليعد من أكبر عيوب المرأة ألا تغسل أرض دارها كل يوم مرة أو مرتين بالماء غسلًا وتمسح جدرانه وزجاجه، على رحب الدور الشامية، واتساع صحونها، وكثرة مرمرها ورخامها. وادخل المساجد تر بلاطها يلمع كالمريا، ويحبب الصلاة إلى من ليس من أهلها. وعرج على المطاعم تبصر الأطعمة مصفوفة أمامك في القدور الصغار النظاف بأناقة تجيع الشبعان، ونظافة تطمئن إليها نفس الموسوس. أما ألوان الطعام في الشام فلا يضاهيها شيء في غيرها، وما أكل الغريب في دمشق حلوًا ولا حامضًا ولا حارًا ولا باردًا إلا استطابة على طعام بلده، وما استطاب الشامي في غير بلده طعامًا قط. ومن خير مطاعم مصر والعراق، وألذها طعامًا وأحسنها نظامًا، ما كان صاحبه شاميًا أو كان على مذهب أهل الشام. ثم إن خدم المطاعم والقائمين عليها طيعون أذكياء، وهم يدركون باللمحة السريعة، ويفهم بالإشارة الخفية.
ودمشق أرخص بلاد الله وفيها النعيم المقيم ولا تخلو من ثمر قط لا في الصيف ولا في الشتاء. أما جودة ثمارها فأشهر من أن تذكر؛ وفيها من العنب ما يزيد على خمسين نوعًا، ومن المشمش تسعة أنواع، ومن التين قريب من ذلك، ومن الدراق والكمثرى والتوت الشامي والجوز واللوز ما لا يوجد مثله في غيرها
والدمشقيون أهل براعة في الصناعة وعندهم من المعامل الكبيرة معمل للإسمنت عظيم (في دمر ظاهر دمشق) ومعمل للأقمار (الكونسروه) لا نظير لما يصنعه. ومعمل للدباغة كبير، ومعمل للجوخ، ومعامل كثيرة لا تحصى للمنسوجات القطنية والصوفية والحريرية