طبعًا - عن الاحتشام، فكانت ترتدي (روب دي شامبر) من نسج رقيق يكشف عن ذراعيها ونصفي ساقيها وأعلى الصدر، وكان الأستاذ يظن أنه لا يجوز لشابة أن تبدو هكذا لعيني رجل غريب، ولذك غلبه الارتباك والاستحياء، وحدس أنها إحدى أخوات تلميذه المتزوجات، وتأكد حدسه حين رآها تمد يدها في رفق إلى ذقن توتو تداعبه، ثم جلست باطمئنان تجاه المدرس وهي تخاطبه قائلة: تفضل بالجلوس. . . هل يعجبك عمل توتو! فجلس أنيس وهو يقول: (توتو مجتهد، وقد تقدم في هذين الأسبوعين في الأجرومية والمطالعة، ولا ينقصه إلا المثابرة على حفظ الكلمات)
فابتسمت ابتسامة حلوة وطلبت إليه أن يستمر في عمله، فعلم أنها ترغب في أن تشهد درسه، فلم ير بدًا من متابعة الدرس متلعثمًا برمًا، واختلس منها نظرة فوجدها تنظر إليه بإمعان، فاعتقد أنها تتابع كلامه، فوجه انتباهه إلى ما يقول ليخرج صحيحًا عذبًا. وفي مرة أخرى وقع نظره على جيب الروب وقد انفرج عن أعلى الصدر فزاغ بصره وارتد في اضطراب وذعر ولم تمكث الشابة طويلًا فحيته وانصرفت، فشيعها بنظرة غريبة وقال لتوتو مستفهمًا: أهي أختك؟
فهز الغلام رأسه سلبًا وقال بجفاء: (تيزة) فتملكت الشاب الدهشة وتساءل متعجبًا (تيزة؟!) فنظر الغلام إليه بإنكار وقال: (نعم) . فتمالك أعصابه ولم ينبس بكلمة، ولكنه لبث مشغولًا دائم التفكير، وفي أثناء عودته إلى مسكنه بشارع ماهر بالجيزة استدعى صورة والد توتو - كما رآه يوم قدم إليه - ببدنه المترهل وكرشه الكبير ورأسه الصغير المستدير الأصلع، قد علا المشيب قذاله وقلق المنظار على أنفه الغليظ المجدور، ثم تمتم قائلًا: (الآن فهمت كل شيء. . . فرضوان بك حكمدار في المعاش جاوز الستين، وزوجه لا تعدو الرابعة والعشرين، وتوتو غلام بائس تضافرت عليه أسباب التنغيص الظاهرة والخفية. . . ولكن لماذا تلطفت بالغلام أمامي؟!) . ولم يعتور أفكاره سوء، لأن أنيس كان طالبًا ريفيًا - كان طالبًا وإن كان أستاذًا لتوتو - طاهر النفس، على أنه تأثر بحسنها وشبابها وخلاعتها غاية التأثر
وفي الدرس التالي لم يكد يطمئن إلى مقعده أمام تلميذه حتى كانت (تيزة) ثالثتهما؛ وكانت كما رآها أول مرة، جميلة خليعة متبذلة في ثوبها، ولم تلازم مكانها طوال الوقت، فكانت