تخرج لبعض الشؤون ثم تعود إلى جلستها. وفي مرة عادت فجلست إلى جانبه دون أن يبدو عليها أنها تعمدت ذلك، فخال أنيس أن ساقها - لدنوها - تلامس ساقه. وعند انصرافه سلمت عليه باليد، فراح يضوع من كفه أريج معطر، ومضى مبلبل لفكر تضطرم في وجدانه يقظة عاطفية حارة، وما زال مشغول البال يحاول أن يتفهم محاضراته عبثاُ حتى ضرب مكتبه بقبضة يده وصاح جزعًا مكروبًا: (لا احسبني إلا مجنونًا أو مسحورًا)
وفيما أعقب ذلك من أيام كان يذهب إلى بيت رضوان بك شغفًا بها قبل كل شيء، وأحس أن تفضلها بحضور درسه هو السعادة الحقيقية التي تبذلها له الدنيا جميعًا، فاستلذها واستطابها وجن بها جنونًا. وجعلت الشابة الفاتنة تودد إليه، وتعرض لعينيه المشغوفتين محاسنها العارية، وتداعبه بنظرات من عينيها حلوة فاتنة، أو لفتات من لحظها فاتكة. والشاب يذهل عما حوله بسرعة جنونية. وذهب يومًا إلى بيت الحكمدار فوجد الشابة في الحجرة دون الغلام، فسأل عنه وهو لا يحفل به في باطنه. فقالت له المرأة: (ذهب مع والده إلى شقيقته في الزمالك لأنها مريضة) . فأحس خيبة وحنقًا لأنه سيضطر إلى مغادرة البيت، وقام واقفًا كئيبًا، فسألته: (إلى أين؟) . فأشار إلى الباب وقال (سأعود من حيث أتيت) . فصوبت إلى عينيه نظرة ملتهبة وتمتمت بجرأة وهي تهز رأسها الصغير (كلا. . .) فخفق قلبه وتدافعت أنفاسه ووقف حيالها كالمسحور المذهول. . . ثم تبعها على الأثر لا يلوي على شيء
وتخلفت بعد ذلك عن حضور درسه، ولكنها سمَّت له الأيام التي يستطيع أن يلقاها فيا في أمن من الرقباء. فاندفع في سبيله كمياه الشلال الجارفة في فورة عاطفة مشبوبة تصم الآذان وتعمى البصر وتغرق هواجس انفس، مستكينًا لنوازع شهوته وجنونه. وإنه ليغادر بيتها ذات أصيل من أصائل الحب إذ لاحت منه التفاتة بغير قصد إلى شرفة البيت المطلة على الطريق، فرأى مشهدًا تجمد له الدم في عروقه، وتصلب شعر رأسه من الهول، فتعثر وأوشك أن يقع على وجهه، وهرع إلى الإفريز تحت الشرفة كأنما يداري نفسه؛ وتقدم في خطى مضطربة لاهثًا حتى بلغ منعطف الطريق، وأراد أن يستوثق مما رأى فصوب بصره في خوف وإشفاق نحو الشرفة، فرأى عند مدخلها رضوان بك برأسه الأصلع المستدير يجلس مطمئنًا إلى كرسيه في جلباب فضفاض يطالع جريدة ويهش الذباب عن