تمثل خيرًا ولا شرًا، وإنما تضر أو تنفع بالقياس إلى طريق إشباعها من جوع وإروائها من ظمأ؛ لذلك أمكن أن نتخذ من الرغبة مهما كان نوعها أو لونها، عامل نصر في معركة الحياة
إن في طيات النفس ضروبًا من الغرائز إحداهن غريزة المقاتلة، غير أن هذه الغريزة لم تَعُد تفصح عن نفسها في أوساط الحضارة وفي أغلب الأحيان، كما كان يفصح عنها الإنسان الأول في بيئته المتأخرة وإدراكه المحدود؛ فبعد أن كان الأوائل من أهل القرون الموغلة في القدم لا يكتفون في إشباع هذه الغريزة بغير القتل والتمثيل، أصبح لنا من وازع الضمير ومن قوة القانون ما يحول دون الإفصاح عن الغريزة بلغتها الأولى، فقد تثور في داخلنا الرغبة في القضاء على الخصم، إلا أن مانعًا يقيمه الضمير، أو رهبة تبعثها العقوبة، أو هذه وذاك مجتمعين، يحولان دون تلبية الرغبة الأولية بذلك اللسان القديم، فنختار طريقًا آخر في أمين حاجة النفس إلى إيذاء العدو، فنتعقب عيوبه ونعلنها للملأ أو نريه أنَّا له مهملون
إن من طبيعة الغريزة أنها لا تظهر إلا بما هي فيه وعليه من غير تلوين أو مراوغة. ذلك لأنها خلوة من التبصر والتدبر، فلا تعرف معنى لاختيار الأصلح في الهدف وطريقة الوصول إليه. ثم هي لا تقيم وزنًا لقوة الظروف وماهية الوقائع، وإنما تتجه إلى الغاية في ذات الطريقة. لا تتلف ولا تتكلف. ولكن بظهور حياة التمدن وتقُّيد هذه الحياة بآداب الوسط الجديد وبأحكامه الآمرة أو الزاجرة، وجد المرء نفسه بحاجة إلى تعديل ما في بعض غرائزه الفطرية وإلى الاستعاضة عن بعضها الآخر بما دعوناه بالرغائب. وكانت هذه التطورات والتغيرات المتلاحقة على الغريزة أثرًا لتلك المراحل الطويلة التي قطعها الإنسان في سبيل التقدم، وصدى لذلك الصوت العميق المنبعث من أعماق الضمير
يتضح من كل ما تقرر أن الخلق ليس إلا مظهرًا لرغبة تقيم في العقل، ما أعلن منه وما أبطن، فإذا نحن أردنا استبدال خلق بآخر أو إجراء تعديل فيه، فلا مندوحة لنا عن التعرف بتلك الرغبة التي صدر عنها ذلك الخلق، ومن ثم إشباعها بصورة حميدة تقضي على شذوذ في السلوك. أما إذا نُظر إلى الخُلق وحده، وأهملت الرغبة التي تكمن وراءه، فإن كل مسعى في إصلاحه يذهب سدى