فئة قليلة لا ينقصها الإيمان ولا تعوزها النجدة. . . قوة متماسكة مرهوبة السطوة، تخطو في ثبات وفي أناة معًا: مترفقة كأنها النسيم العابر، متدفقة كأنها العواصف الهوج!
.. . وانتقلت الأصوات خفيضة هامسة تموج مع الهواء موج البنود، مرددة شعارهم الذي به يتعارفون: (الانتقام. . . أو الموت) ؛ ثم ارتفع الضجيج عاليًا قويًا يستلب النهى، وطنّت نواقيس الإنذار تعلن الخطر الداهم، وتبلغ التحذير الأخير!
ولكن. . . يا للأسف! عبثًا أيتها القلة الباسلة أن تنثال قذائفك مدوية كالرعد بين الصفوف. . . إنها لأشنع صورة وأدماها يسجلها التاريخ في سِفر الأيام! (سَرْماتْيا) تسقط صريعة في غير جرم، فما تُبكَى عليها عينٌ بقطرة من دمع. . .!
واهًا لها. . . لم تجد الصديق كريمًا ولا العدو رحيمًا. . .!
لم تسعفها القوة وهي في سلاحها وعدتها، ولا أبقت عليها الرحمة وهي في محنتها وبلواها. . .
هو رديْنُّيها العسْال من يدها الواهنة قِصَدًا، وأغمضت عيناها الوامضتان ببريق الحياة، وناءت بكاهلها أثقال الطغيان، فما أطاقت النهوض.
هاهو ذا الأمل يقرع سمع الدنيا بكلمة الوداع موليًا عنها إلى حين؛ والحرية تعول صارخة إذ ترى (كوشيسكو) يهوى من عليائه. . .
انحدرت الشمس إلى مغربها وما وقف سيل الدماء الموائر، وبدد ضجيج القتل والقتال سكون الليل الغارق في غفوته، وألقت لُهب الدمار ظلالها على قناطر (براعة) الفخمة؛ وتحدرت المياه من أسفلها مخضوبة بالدم القاني. ثم أعولت العاصفة فطغت على صرخات الجزع وصيحات الوهل المتصاعدة؛ بينا أفسحت الحصون الصماء للغزاة طريقًا مهادها الأشلاء.
ألا أصيخوا. . . إن الأبنية المحترقة لتنهار في دوي يصم الآذان؛ ومئات الأصوات الواهنة تجأر في طلب الرحمة والغوث وهي يائسة منهما؛ حتى لكأنما الأرض تزلزل زلزالها، والسماء ترمى من رجومها بكل شهاب ثاقب!. . .
إنها الطبيعة وقد أدركت هول الفاجعة تضطرب من أعماقها؛ والكون بأجمعه يهتز جزعًا لهذا البكاء والإعوال.