-لقد وصلنا إلى موقف (صالقم سكود) فقلت لها:
-إنك مضطرة إلى الرجوع راجلة، فهذه آخر عربة ولا أظن أنك تجدين عربة في هذا المطر.
-فلما سمعت ذلك اضطربت اضطرابًا عظيمًا، وفي ذلك الوقت استيقظ بائع التذاكر واقترب منا يشاركنا في الحديث، ثم قال مبرثًا نفسه من التبعة:
-لماذا لم تذكري لنا المحل الذي تريدين أن تذهبي اليه؟. فلم تجد تلك المسكينة حاجة إلى الجواب، فنظرت إلي نظرة حائرة تطلب بها المد والمعونة، وقالت:
-لطفًا يا إلهي، في مثل هذه الساعة، في مثل هذا المطر، وفي مثل هذه الأزقةالمظلمة الخالية كيف أستطيع السير وحدي؟.
-لم أجد حاجة لا تخاذ قرار بعد ذلك في هذا الشأن، فقلت لها
-أيتها الآنسة، هل لك أن تقبلي مرافقتي حتى الجسر؟.
-فنظرت إليه بدهشة وصاحت:
-كيف ذلك يا سيدي؟ كيف تعود لأجلي في هذا الهواء؟
-وكيف أستطيع أن أقبل هذه النصيحة؟. .
-على أنه لم يكن أحسن من هذا الحل، لأن السائق كان بفارغ الصبر ينتظر الحركة، وبائع التذاكر ينتظر أن نعطى نتيجة حاسمة فقلت لها مصرًا:
-أنت لا تقدرين على العودة منفردة في مثل هذا الوقت، ومن هذا المكان، مع أني أتمكن من أن أركب عربة وأعود من الجسر، وذلك يسير علي.
-فنظرت إلي عند ذلك نظرة فاحصة، وبتلك النظرة علمت صفاء نيتي وصدق عزمي فأظهرت الاطمئنان وقبلت مرافقتي قائلة:
-سمعًا وطاعة يا سيدي، لقد أظهرت إنسانية نبيلة وعطفًا كريمًا، وأنا أقبلها مع الشكر.
-فتح بائع التذاكر الباب ليشرح للسائق القصة، فنزلنا نحن من الباب الثاني، وتحركت العربة في الظلام كأنها خيال ذو عينين صفراويتين؛ كان المطر إذ ذاك إلا أنه كان متواليًا، ففتحت الفتاة مظلتها، فلما تأملتها وجدتها ممزقة الأطراف، وفتحت أنا أيضًا مظلتي وأخذنا نمشي متكاتفين بقدر ما تسمح لنا المظلتان. كانت في ذلك الظلام الدامس قي تلك الشوارع