بنظافة ما يلبسون وما يفرشون، وغير ذلك مما يتعلق بهم، وفيهم من لا يكون عنده إلا ما يقوته يومه فيطويه صائمًا، ويبتاع صابونًا يغسل به ثيابه، ولا يظهر فيها ساعة على حالة تنبو العين عنها).
ويؤلمني اشد الأم ما ذكره أبن سعيد نفسه، وقد زار القاهرة، وركب منها حمارًا إلى الفسطاط يقول (فأثار الحمار من الغبار الأسود ما أعمى عيني، ودنس ثيابي، وعانيت ما كرهت، وقلت:
لقيت بمصر اشد البوار ... ركوب الحمار وكحل الغبار
أِلمَ من منظر الفسطاط، وقال انه رأى شوارعها غير مستقيمة، ورأى حول أبوابها من التراب الأسود والأزبال ما يقبض نفس النظيف، ويغض طرف الظريف، ورأى البياعين يبيعون في مسجد عمرو، والناس يأكلون فيه، ورأى في زوايا المسجد العنكبوت، قد عظمة نسجه في السقوف والأركان والحيطان ورأى حيطانه مكتوبًا عليها بالفحم والحمرة بخطوط قبيحة مختلفة من كتابة فقراء العامة الخ. . .
آلمني هذا الوصف لمصر، ولو زارها اليوم لما عثر بحماره، ولأقلته سيارة فخمة من باب زويلة إلى الفسطاط في أرض معبدة ممهدة، لا تثير غبارًا ولا تدنس ثيابًا، ولرأى مسجد عمرو نظيفًا، لا يأكل فيه أكل، ولا يكتب على حيطانه كاتب.
ولكن هل كان يعدل عن حكمه القاسي في مقارنته بين أهل مصر وأهل الأندلس في النظافة؟ ذلك ما أشك فيه كل الشك. لست ادري لمَ لمْ يلتفت الدعاة إلى هذا الأمر في الأمة، فيدعون ويلحون في الدعوة إلى النظافة، ويضعون الخطط الدقيقة لها، فأنها خير وسيلة للتقريب بين طبقات الأمة، فلا يأنف بعد مثقف أن يجلس مع غير المثقفين، ولا متعلم أن يجالس غير المتعلمين، وفي هذا الاختلاط نشر للثقافة، ودعوة للآداب العامة، وغلبة للعنصر المهذب.
يظن الناس أن النظافة غالية، وأنها مرتبطة بالغنى، وهذا خطأ بين، فكم من غني قذر، ومن فقير نظيف، والأمر يتوقف على تعويد النظافة أكثر مما يتوقف على المال، فليست النظافة أن تلبس أغلى اللباس، وأن تأكل أفخم الطعام، وانما النظافة أن تلبس نظيفًا ولو كان أحقر الثياب، وأن تأكل نظيفًا ولو أحقر الطعام.