تفكيره وطريقة عمله وطبيعة صداقته. وأشهد لقد كان علي برَّد الله ثراه نسقًا فريدًا في الصفاء والوفاء والمروءة والمودة. كان لا يطوي صدره على ضغينة، ولا يحرك لسانه بنقيصة، ولا يقبض يده عن معروف، ولا يعقد ضميره على غدر؛ فلم تدع له هذه الصفات الشاعرة النادرة عدوا، لا في نفسه ولا في الناس، فعاش ما عاش وادع البال في سلام الحب وأمان الصداقة.
قضى عليُّ عمره بالعرض لا بالطول، وقدر عيشه بالكيف لا بالكم، وجعل همّه في الحاضر لا في المستقبل، ونظر إلىالشعر نظر البلبل إلىالشدو، فكان يصدر عنه بالطبيعة إعلانًا لوجود، وإبرازًا لنفس، وكمالا لصوره، وجمالا لحياة! لذلك كان شعره تعبيرًا صادقًا عن شعوره، وتصويرًا ناطقًا لهواه، ونظامًا متسقًا مع خلقه وطبعه في الحرية والأصالة والوضوح والأناقة والسهولة والسلامة.
إن حياة علي طه كانت أشبه بالطيف خفق خفوق المَلك على حواشي الروض ثم عبر، أو الحلم نعم به رائيه في إغفاءة الفجر، ثم زال أو حبات الندى تلألأت في وجه الصباح ثم ذهبت في متوع الضحى، أو قطرات العطر سطعت في نفح النسيم ثم تبددت في عصف الريح. فالحزن على وفاته حزن على حبيب قضى، وخير مضى، وجمال ذوى، وشباب تولى، ووفاء غاض، وفن ذهب. فإذا بكينا فإنما نبكي علينا لا عليه، وإذا سألنا الله العوض منه فإنما نسأله لنا لا له. وكل ما نملكه للفقيد العزيز أن ندعو الله أن يتغمده برحمته، وأن ينزله منزلة الأبرار في نعيم جنته.
أحمد حسَن الزيات