في كل لحظة زمنية بإرادة الناس ويتشكل حسب هوى الأفراد بل ويدخل في دائرة الحياة بناء على الأفعال التي يصدرها البشر في اللحظة الآنية لا يوجد شيء وإنما يوجد شيء في تلك اللحظة بعد أن تصير حاضرًا ثم ينعدم في التو على صورة ماض. إن الإنسان العادي ينظر في الحياة وكأنها تمضي بغير ما تقطع ولا توقف، أمام الفيلسوف - الوجودي خصوصًا - فيشعر بمشكلة الصيرورة على أوضح نحو في العدم الذي يتمثله وفي الحاضر الذي يخلقه وفي الوجود الذي يتسلسل به من غير ضرورة تحتم عليه الكينونة أو عدم الكينونة. حقًا هناك إمكانيات في الحياة تصير على هيئة معينة إذا جاء المستقبل بحكم النمو الحاصل في المظاهر الأرض1ية، ولكن هذا لا يعني أنها موجودة وجودًا كليًا عامًا في الماضي والحاضر والمستقبل وإنما يعني أنها الوجود يتقدم بنا في العماء الذي لا ترتيب فيه ولا تصميم له بغير خطه ثابتة وبغير علامات أكيدة.
وعلى ذلك فإن الإنسان إذ فعل شيئًا فإنما يفعله وهو يقوم بدور الخالق، فالحرية التي في يده بالضرورة لا تكون مجرد حقيقة للأفعال بل تعد، على هذا النحو، منبعًا تنبثق عنه كل الدلالات وكل القيم، وشرطًا أصيلا لكل تحقق في الوجود كما تقول سيمون دي بوفوان في كتابها عن أخلاق التناقض. ولذلك لا حظنا دائمًا إحساس الإنسان بالقلق عند مواجهة المستقبل ما دام لا يجد تحت يديه ركنًا يستند إليه ولا خطة يهتدي بها ولا مثلا يحتذيه. إن القلق ظاهرة لازمة الحدوث في حياة الإنسان بسبب المتاهة المفزعة التي يمضي فيها والمفازة المخيفة التي يخترقها بغير ما تجربة سابقة ولا عماد ثابت. حتى القلق نفسه وجملة الاحساسات الأخرى والمظاهر النفسية التي يبدو فيها الإنسان ليست عبارة عن صفات معدة إعدادًا سابقًا بالنسبة إلينا وإنما هي طريقة من طرائقنا في العمل والحركة داخل نطاق الوجود. فليس هناك ألصق بمعاشنا ولا أكثر ظهورًا في حياتنا من صفات الحس والذكاء والغضب والحيوية، ومع ذلك فهذه كلها ليست ضرورة من ضرورات وجودنا بقدر ما هي وسيلة من وسائل اكتشافنا للوجود ونحو من أنحاء انتقالنا من الحاضر إلى الماضي.
فوجودنا إذن يحصل ثم نجعل نحن من هذا الوجود موضوعًا للكلام فتستخلص منه صفات معينة ونلاحظ عليه ملامح بالذات. هذه الصفات وتلك الملامح هي ما تسميه بالماهية.