خطابات التوصية، فاستقبله الدوق بعطف، وأذن له أن يتلو بين يديه الفصل الأول من (دون كارلوس) فاستحسنه وشجع المؤلف بكلمات طيبة، واستأذنه شيلر في أن يهديه قصته فأذن له، وأنعم عليه بلقب (مستشار) في خدمته، وهو لقب لم تكن له سوى قيمة أدبية واجتماعية.
وكان شيلر يومئذ فتى في الخامسة والعشرين يضطرم أملًا نحو العلياء والمجد؛ وكان يقضي حياة عاصفة في الدرس والتفكير والكتابة؛ وكان قلبه الكبير يخفق أحيانًا للحب، ولكن في اعتدال ورزانة. ولم تحمل شيلر نحو النساء تلك النوبات الغرامية العاصفة التي كانت تملأ حياة جيته؛ ولكنه عرف الحب في تلك الفترة؛ وتعلق بادئ بدء بفتاة تدعى مرجريت شفان، وهي ابنة كتبي في مانهايم، وكانت فتاة ساحرة لعوبًا خطرة الأهواء؛ وفكر شيلر في الاقتران بها ولكن أباها رفض في رقة وأدب لأنه لم يأنس في الشاعر بلا ريب مستقبلًا يحمل على الطمأنينة. ثم تعرف شيلر بعد ذلك على فتاة تدعى شارلوت دوستايم، وشغفت هي به حبًا؛ ولكنها لم تلبث أن اقترنت بضابط يدعى (فون كالب) ؛ وانتقلت معه إلى فيمار؛ واستحال حب الشاعر ومدام فون كالب بعد ذلك إلى صداقة حميمة استمرت مدى الحياة.
وأنفق شيلر في مانهايم زهاء عامين ونصف عام، وهو يشهد آماله تنهار تباعًا، وموارد العيش تضيق به. وأخيرًا اعتزم أن يغادر مانهايم، وأن يهجر تلك المهنة التي لم تؤته قوته - مهنة القريض؛ وأن يلتمس العيش من مهنة أخرى مستبقيًا للشعر أوقات فراغه؛ فغادر مانهايم بعد وداع ممزق لصديقه الحميم شترايشر؛ وقصد إلى قرية جوليس بالقرب من لايبزج حيث كان يقيم صديقه العزيز (كرنر) وكان كرنر ذهنًا رفيعًا وقلبًا كبيرًا، ألفى فيه الشاعر مثل الصداقة الأعلى؛ فأقام إلى جانبه مدى حين في جوليس ثم في درسدن، وأتم في تلك الفترة قصته (دون كارلوس) (سنة 1786) . وكان ظهورها طفرًا حقيقيًا للشاعر، وكانت في الواقع بداية مجده، وحدًا فاصلًا بين ماضيه الغامر ومستقبله الباهر. وكانت مدينة فيمار يومئذ كعبة الشعر ومقام إمامة جيته، وفيها يجتمع حول الشاعر الأكبر جمهرة من الشعراء والأدباء مثل هردر، وفيلاند، وماير، ويظللهم دوق فيمار جميعًا برعايته؛ وكان شيلر يفكر منذ حين في السفر إلى فيمار ليجرب حظه في ذلك المحيط الأدبي الزاهر؛