يسمع ناروتز منه هذا ويحاول أن يصبر على الألم ولا يشكو فيقول في إحدى محادثاته: حقًا إن الرجل القوي يتحكم لدرجة ما في الموت والحياة.
وهو قد جاء إلى القصر بآلامه وانتصر على الموت لأنه يحب زوجته جولي حبًا عميقًا خالصًا ولأجلها يريد أن يعيش.
ولكنه يعلم بعد هذا أن العلاقة التي تربطه بزوجته أصبحت علاقة المريض بالممرض فهي تخونه مع لويس لأنها محرومة منه، ولو طالبها بالوفاء له وهي شابة ناضجة الأنوثة ملتهبة العاطفة لكان هذا فوق طاقة البشر، فيقذف بنفسه في غمرة من المثل الأعلى اليائس، وأخيرًا يصل إلى حالة انفصال تام عن الحياة وحالة هدوء واستسلام وتجلد أمام الآلام ويأخذ الجبار في الموت فلا يلبث قليلًا حتى تختفي شخصيته.
وقد قصد المؤلف بإظهاره أن يطلعنا على صورة من صور النساك الحديثين الذين يعتبرون أن الحرب ما هي إلا تكفير ديني لخطايا البشرية، ولو كانت شخصية فون ناروتز غير هذا من الخلق لأصبح الموضوع تافهًا، ولكن إظهاره بهذه الصورة يدل تمامًا على طريقة رسم المؤلف لشخصياته.
جميع أبطال شارلس مورجان مثقفون لا يعيشون إلا بأرواحهم، وبالرغم من تحليله النفسي الدقيق فإن لا يسرف مطلقًا في وصف (تيار الضمير) كما هو الحال في أكثر المؤلفات الإنجليزية الحديثة.
فأشخاص مورجان يحكمون عقولهم ويدرس بعضهم أخلاق بعض، وهم ذوو إرادة قوية، ولا يمكن للغريزة أن تحكمهم حتى في أعمالهم، يسلكون طريقهم الطبيعي، ويقفون أحيانًا يائسين بعد تردد، وهم لا يعملون عملًا متفقًا عليه ولا يتحركون كالآلة، بل تبدو من خلال شخصياتهم الإرادة القوية والشعور باحترام أنفسهم، وبرغم الحوادث والكوارث التي تنتابهم تراهم محتفظين بنزاهتهم الأدبية وباستقلالهم في الرأي والحكم.
فشارلس مورجان يعد أيضًا من هذه الناحية من المؤلفين الإرشاديين، وهو يوجه قراءه إلى مثل عال واضح محدود. وفي الوقت الذي يتلمس في التأليف الروائي الإنجليزي سبلًا للوصول إلى نوع جديد، نرى مورجان يسلك طريقًا مبتكرًا، وهو يشبه في فنه (برنسيس دي كليف) وغيرها من القصص التي يجمع أبطالها بين الشهوة والاتزان فيفخرون بتحمل