مِنْهَا خَبَرًا وَاحِدًا قَدْ تَظَاهَرَتْ حَتَّى صَارَتْ مُتَوَاتِرَةَ الْمَعْنَى بِمَنْزِلَةِ شَجَاعَةِ عَلِيٍّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ وَجُودِ حَاتِمٍ فَأَجَابَ بِأَنَّ بُلُوغَ مَجْمُوعِهَا حَدَّ التَّوَاتُرِ غَيْرُ مَعْلُومٍ وَلَا يَخْفَى أَنَّ مِثْلَ هَذَا يَرِدُ عَلَى كُلِّ مَا اُدُّعِيَ تَوَاتُرُ مَعْنَاهُ .
( قَوْلُهُ فَأَنَا أَذْكُرُ ) قَدْ ذَكَرَ الْمُصَنِّفُ رَحِمَهُ اللَّهُ مِمَّا سَنَحَ لَهُ قَطْعِيَّةَ الْإِجْمَاعِ سِتَّةَ أَوْجُهٍ .
حَاصِلُ الْأَوَّلِ: أَنَّ اللَّهَ تَعَالَى حَكَمَ بِإِكْمَالِهِ دِينَ الْإِسْلَامِ ، فَيَجِبُ أَنْ لَا يَكُونَ شَيْءٌ مِنْ أَحْكَامِهِ مُهْمَلًا وَلَا شَكَّ أَنَّ كَثِيرًا مِنْ الْحَوَادِثِ مِمَّا لَمْ يُبَيَّنْ بِصَرِيحِ الْوَحْيِ ، فَيَجِبُ أَنْ يَكُونَ مُنْدَرِجًا تَحْتَ الْوَحْيِ بِحَيْثُ لَا يَصِلُ إلَيْهِ كُلُّ أَحَدٍ ، وَحِينَئِذٍ إمَّا أَنْ لَا يُمْكِنَ لِلْأُمَّةِ اسْتِنْبَاطُهُ وَهُوَ بَاطِلٌ إذْ لَا فَائِدَةَ فِي الْإِدْرَاجِ أَوْ يُمْكِنُ لِغَيْرِ الْمُجْتَهِدِينَ مِنْهُمْ خَاصَّةً ، وَهُوَ بَاطِلٌ بِالضَّرُورَةِ فَتَعَيَّنَ اسْتِنْبَاطُهُ لِلْمُجْتَهِدِينَ وَحِينَئِذٍ إمَّا أَنْ يَسْتَنْبِطَهُ قَطْعًا وَيَقِينًا كُلُّ مُجْتَهِدٍ وَهُوَ أَيْضًا بَاطِلٌ لِمَا بَيْنَهُمْ مِنْ الِاخْتِلَافِ ، أَوْ جَمِيعُ الْمُجْتَهِدِينَ إلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ ، وَهُوَ أَيْضًا بَاطِلٌ لِعَدَمِ الْفَائِدَةِ فَتَعَيَّنَ اسْتِنْبَاطُ جَمْعٍ مِنْ جَمِيعِ الْمُجْتَهِدِينَ ، وَلَا دَلَالَةَ عَلَى تَعْيِينِ عَدَدٍ مُعَيَّنٍ مِنْ الْأَعْصَارِ ، فَيَجِبُ أَنْ يُعْتَبَرَ عَصْرٌ وَاحِدٌ وَحِينَئِذٍ لَا تَرْجِيحَ لِلْبَعْضِ عَلَى الْبَعْضِ فَتَعَيَّنَ اعْتِبَارُ جَمِيعِ الْمُجْتَهِدِينَ فِي عَصْرٍ وَاحِدٍ فَيَكُونُ اتِّفَاقُهُمْ بَيَانًا لِلْحُكْمِ وَبَيِّنَةً عَلَيْهِ فَيَجِبُ اتِّبَاعُهُ لِلْآيَاتِ الدَّالَّةِ عَلَى وُجُوبِ اتِّبَاعِ الْبَيِّنَةِ هَذَا غَايَةُ تَقْرِيرِ هَذَا الْكَلَامِ .
وَلِقَائِلٍ أَنْ يَقُولَ: وُجُوبُ الِاتِّبَاعِ لَا يَسْتَلْزِمُ الْقَطْعَ ، وَأَيْضًا مَا ذَكَرَ لَا يَدُلُّ عَلَى حُجِّيَّةِ إجْمَاعِ مُجْتَهِدِي كُلِّ عَصْرٍ لِجَوَازِ أَنْ يَكُونَ الْحُكْمُ الْمُنْدَرِجُ فِي الْوَحْيِ مِمَّا يَطَّلِعُ عَلَيْهِ