وَإِنَّمَا اعْتَبِرْنَا التَّأْثِيرَ ) فِي الْعِلَّةِ لِوُجُوبِ الْعَمَلِ بِالْقِيَاسِ لِوَجْهَيْنِ: أَحَدُهُمَا أَنَّ الْقِيَاسَ أَمْرٌ شَرْعِيٌّ فَلَا بُدَّ فِيهِ مِنْ اعْتِبَارِ الشَّارِعِ .
وَثَانِيهِمَا أَنَّ الْأَقْيِسَةَ الْمَنْقُولَةَ عَنْ الصَّحَابَةِ وَالتَّابِعِينَ رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُمْ كُلُّهَا مَبْنِيَّةٌ عَلَى الْعِلَلِ الْمُؤَثِّرَةِ .
وَأُجِيبَ عَنْ الْأَوَّلِ أَنْ يَكُونَ الْقِيَاسُ أَمْرًا شَرْعِيًّا لَا يَقْتَضِي إلَّا أَنْ يَكُونَ لَهُ أَصْلٌ فِي الشَّرْعِ ، وَأَمَّا لُزُومُ أَنْ يَثْبُتَ بِنَصٍّ أَوْ إجْمَاعٍ اعْتِبَارُ الشَّارِعِ نَوْعَ الْوَصْفِ أَوْ جِنْسِهِ الْقَرِيبِ فِي نَوْعِ الْحُكْمِ أَوْ جِنْسِهِ الْقَرِيبِ عَلَى مَا فَسَّرْتُمْ بِهِ التَّأْثِيرَ فَمَمْنُوعٌ ، وَلِمَ لَا يَكْفِي الْجِنْسُ الْبَعِيدُ وَحُصُولُ الظَّنِّ بِوُجُوهٍ أُخَرَ مِنْ مَسَالِكِ الْعِلَّةِ ؟ كَيْفَ وَقَدْ جَوَّزْتُمْ الْعَمَلَ بِغَيْرِ الْمُؤَثِّرِ أَيْضًا وَعَنْ الثَّانِي بِأَنَّهُ لَا يَدُلُّ إلَّا عَلَى أَنَّ الْأَقْيِسَةَ الْمَنْقُولَةَ كُلَّهَا مَبْنِيَّةٌ عَلَى عِلَلٍ مَعْقُولَةٍ مُنَاسِبَةٍ ، وَلَيْسَ النِّزَاعُ فِي ذَلِكَ بَلْ فِي التَّأْثِيرِ بِالْمَعْنَى الْمَذْكُورِ ، وَلَا يَخْفَى أَنَّ فِي كَثِيرٍ مِنْ الْأَقْيِسَةِ الْمَنْقُولَةِ قَدْ اُعْتُبِرَتْ الْأَجْنَاسُ الْبَعِيدَةُ وَلَمْ يَثْبُتْ اعْتِبَارُ الْوَصْفِ بِنَصٍّ أَوْ إجْمَاعٍ بَلْ بِوُجُوهٍ أُخَرَ .
وَالظَّاهِرُ أَنَّ مُرَادَهُمْ بِالتَّأْثِيرِ فِي هَذَا الْمَقَامِ مَا يُقَابِلُ الطَّرْدَ فَمَعْنَاهُ أَنْ يَكُونَ الْوَصْفُ مُنَاسِبًا مُلَائِمًا لِإِضَافَةِ الْحُكْمِ إلَيْهِ سَوَاءٌ كَانَ مُؤَثِّرًا بِالْمَعْنَى الَّذِي ذَكَرَهُ الْمُصَنِّفُ رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى أَوْ لَا وَحِينَئِذٍ يَتِمُّ الِاسْتِدْلَال وَهَذَا ظَاهِرٌ مِنْ النَّظَرِ فِي كَلَامِهِمْ فِي هَذَا الْمُقَامِ وَمِنْ تَقْرِيرِهِمْ التَّأْثِيرَ فِي الْأَمْثِلَةِ الْمَذْكُورَةِ ، فَفِي قَوْلِهِ عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ { إنَّهَا مِنْ الطَّوَّافِينَ } لِجِنْسِ الطَّوْفِ وَهُوَ الضَّرُورَةُ لَهُ أَثَرٌ فِي الشَّرْعِ فِي التَّخْفِيفِ وَإِثْبَاتِ الطَّهَارَةِ وَرَفْعِ النَّجَاسَةِ كَمَنْ أَكَلَ الْمَيْتَةَ فِي