فِعْلِهِ وَتَرْكِهِ وَعَدَمِ الْحَرَجِلَمْ يُعْلِمْ الشَّارِعُ بِعَدَمِ الْحَرَجِ فِيهِ لِيَكُونَ حَشْوًا عَلَى مَا ذَكَرَهُ الْمُصَنِّفُ رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى بَلْ يَكُونُ مَعْنَاهُ أَنَّ ذَلِكَ الْفِعْلَ لَا يَلْزَمُ أَنْ يَدُلَّ الشَّارِعُ فَاعِلَهُ عَلَى أَنَّهُ لَا حَرَجَ عَلَيْهِ فِي الْفِعْلِ وَالتَّرْكِ بِأَنْ يُدْرِكَ ذَلِكَ بِعَقْلِهِ ، وَهَذَا كَلَامٌ لَا غُبَارَ عَلَيْهِ ، وَأَمَّا الثَّانِي ، وَهُوَ التَّوَقُّفُ بِمَعْنَى عَدَمِ الْعِلْمِ بِأَنَّ فِي ذَلِكَ الْفِعْلِ حُكْمًا لِلَّهِ تَعَالَى أَمْ لَا فَبَاطِلٌ ؛ لِأَنَّا نَعْلَمُ قَطْعًا أَنَّ لِلَّهِ تَعَالَى فِي كُلِّ فِعْلٍ حُكْمًا إمَّا بِالْمَنْعِ عَنْهُ ، أَوْ بِعَدَمِ الْمَنْعِ وَلِلْخَصْمِ أَنْ يَمْنَعَ ذَلِكَ ، وَلَا تَنَاقُضَ بَيْنَ الْحُكْمِ بِالْمَنْعِ وَالْحُكْمِ بِعَدَمِ الْمَنْعِ حَتَّى يَمْتَنِعَ ارْتِفَاعُهُمَا وَإِنَّمَا التَّنَاقُضُ بَيْنَ الْحُكْمِ وَعَدَمِ الْحُكْمِ ، وَهُوَ لَا يُوجِبُ الْإِبَاحَةَ ، وَأَمَّا الثَّالِثُ وَهُوَ التَّوَقُّفُ بِمَعْنَى عَدَمِ الْعِلْمِ بِأَنَّ حُكْمَهُ الْإِبَاحَةُ أَوْ الْحَظْرُ فَحَقٌّ إذْ التَّقْدِيرُ أَنَّهُ لَا دَلِيلَ مِنْ الشَّارِعِ ، وَلَا مَجَالَ مِنْ الْعَقْلِ ، وَهَذَا يُسَاوِي الْقَوْلَ بِالْإِبَاحَةِ مِنْ جِهَةِ اتِّفَاقِهِمَا عَلَى أَنَّهُ لَا عِقَابَ عَلَى الْفِعْلِ ، وَلَا عَلَى التَّرْكِ ، فَلَا خِلَافَ بَيْنَهُمَا فِي الْمَعْنَى .
وَفِيهِ نَظَرٌ ؛ لِأَنَّ مَذْهَبَ الْمُتَوَقِّفِ هُوَ أَنَّهُ لَا عِلْمَ بِالْعِقَابِ وَعَدَمِهِ .
وَعَدَمُ الْقَوْلِ بِالْعِقَابِ أَعَمُّ مِنْ الْقَوْلِ بِعَدَمِ الْعِقَابِ فَكَيْفَ يَتَسَاوَيَانِ ؟ فَظَهَرَ أَنَّ قَوْلَهُ: وَمَعَ ذَلِكَ فَلَا عِقَابَ لَيْسَ بِمُسْتَقِيمٍ ؛ لِأَنَّ الْقَوْلَ بِعَدَمِ الْعِقَابِ قَوْلٌ بِالْإِبَاحَةِ ؛ لِأَنَّهُ مَعْنَاهَا عَلَى مَا فَسَّرَهَا ، فَلَا تَوَقُّفَ .
( قَوْلُهُ: وَلِقَوْلِهِ: عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ ) دَلِيلٌ آخَرُ عَلَى جَعْلِ الْمُحَرِّمِ نَاسِخًا لِلْمُبِيحِ ، وَهُوَ عَطْفٌ عَلَى قَوْلِهِ: لِأَنَّ قَبْلَ الْبَعْثَةِ كَانَ الْأَصْلُ الْإِبَاحَةَ .
( قَوْلُهُ: فَالْمُثْبِتُ أَوْلَى ) إذْ لَوْ جَعَلَ الْبَاقِيَ أَوْلَى يَلْزَمُ تَكَرُّرُ