( قَوْلُهُ: فَالْفِعْلُ فَرْضٌ ) فِيهِ إشَارَةٌ إلَى أَنَّ الْمُتَّصِفَ بِالْحُرْمَةِ وَالْوُجُوبِ وَنَحْوِهِمَا هُوَ فِعْلُ الْمُكَلَّفِ وَالْحُكْمُ الَّذِي بِمَعْنَى الْخِطَابِ إنَّمَا هُوَ الْإِيجَابُ وَالتَّحْرِيمُ وَنَحْوُهُمَا ، وَاَلَّذِي هُوَ بِمَعْنَى أَثَرِ الْخِطَابِ هُوَ الْوُجُوبُ وَالْحُرْمَةُ وَنَحْوُهُمَا ، وَهَذَا التَّقْسِيمُ وَقَعَ لِلْفِعْلِ أَوَّلًا بِالذَّاتِ ، وَيُفْهَمُ مِنْهُ تَقْسِيمُ الْحُكْمِ ، وَكَذَا يُفْهَمُ مِنْهُ تَعْرِيفُ الْفَرْضِ وَالْوَاجِبِ وَالْحَرَامِ وَنَحْوِ ذَلِكَ وَتَعْرِيفُ الْفَرْضِيَّةِ وَالْوُجُوبِ وَالْحُرْمَةِ وَنَحْوِهَا وَمَعْنَى أَوْلَوِيَّةٍ الْفِعْلِ ، أَوْ التَّرْكِ أَوْلَوِيَّتُهُ عِنْدَ الشَّارِعِ بِالنَّصِّ عَلَيْهِ ، أَوْ عَلَى دَلِيلِهِ .
وَفِي إطْلَاقِ الْأَوْلَوِيَّةِ عَلَى مَا هُوَ لَازِمٌ يَمْتَنِعُ نَقِيضُهُ كَالْفَرْضِ وَالْوَاجِبِ وَالْحَرَامِ نَوْعُ تَسَامُحٍ ، وَالْمُرَادُ بِاسْتِوَاءِ الْفِعْلِ وَالتَّرْكِ فِي الْمُبَاحِ اسْتِوَاؤُهُمَا فِي نَظَرِ الشَّارِعِ بِأَنْ يُحْكَمَ بِذَلِكَ صَرِيحًا ، أَوْ دَلَالَةً بِقَرِينَةِ أَنَّ الْكَلَامَ فِي مُتَعَلِّقِ الْحُكْمِ الشَّرْعِيِّ فَيَخْرُجُ فِعْلُ الْبَهَائِمِ وَالصِّبْيَانِ وَالْمَجَانِينِ وَنَحْوِ ذَلِكَ .
فَإِنْ قُلْت: جَمِيعُ ذَلِكَ مِنْ أَقْسَامِ مَا يُعْتَبَرُ فِيهِ الْمَقَاصِدُ الْأُخْرَوِيَّةُ وَلَيْسَ فِي هَذِهِ التَّعْرِيفَاتِ إشَارَةٌ إلَى ذَلِكَ .
قُلْت: يَجُوزُ أَنْ تَكُونَ التَّعْرِيفَاتُ الْمَذْكُورَةُ رُسُومًا لَا حُدُودًا ، وَلَوْ سَلِمَ فَفِي الْأَوْلَوِيَّةِ وَالِاسْتِوَاءِ إشَارَةٌ إلَى مَعْنَى الثَّوَابِ وَالْعِقَابِ .
فَإِنْ قُلْت: قَدْ يَكُونُ الْوُجُوبُ وَالْحُرْمَةُ وَنَحْوُ ذَلِكَ مِنْ أَقْسَامِ مَا هُوَ أَثَرٌ لِفِعْلِ الْمُكَلَّفِ لَا صِفَةٌ لَهُ كَإِبَاحَةِ الِانْتِفَاعِ الثَّابِتَةِ بِالْبَيْعِ وَحُرْمَةِ الْوَطْءِ الثَّابِتَةِ بِالطَّلَاقِ .
قُلْت: هِيَ مِنْ صِفَاتِهِ أَيْضًا إذْ الِانْتِفَاعُ وَالْوَطْءُ فِعْلُ الْمُكَلَّفِ ، وَلَا مُنَافَاةَ بَيْنَ كَوْنِ الْحُكْمِ صِفَةً لِفِعْلِ الْمُكَلَّفِ وَأَثَرًا لَهُ ، ثُمَّ لَا يَخْفَى أَنَّ الْحُكْمَ الْغَيْرَ الْأَصْلِيِّ أَعْنِي الَّذِي يُبْتَنَى عَلَى أَعْذَارِ