أَنَّهُمْ اعْتَبَرُوا فِي حَقِيقَةِ الْعِلَّةِ ثَلَاثَةَ أُمُورٍ وَهِيَ إضَافَةُ الْحُكْمِ إلَيْهَا وَتَأْثِيرُهَا فِيهِ وَحُصُولُهُ مَعَهَا فِي الزَّمَانِ ، وَسَمَّوْهَا بِاعْتِبَارِ الْأَوَّلِ الْعِلَّةَ اسْمًا ، وَبِالثَّانِي الْعِلَّةَ مَعْنًى وَبِالثَّالِثِ الْعِلَّةَ حُكْمًا .
وَمَعْنَى إضَافَةِ الْحُكْمِ إلَى الْعِلَّةِ مَا يُفْهَمُ مِنْ قَوْلِنَا قَتَلَهُ بِالرَّمْيِ وَعَتَقَ بِالشِّرَاءِ وَهَلَكَ بِالْجُرْحِ ، وَهُوَ ظَاهِرٌ وَتَفْسِيرُ الْعِلَّةِ اسْمًا بِمَا تَكُونُ مَوْضُوعَةً فِي الشَّرْعِ لِأَجْلِ الْحُكْمِ وَمَشْرُوعَةً لَهُ إنَّمَا يَصِحُّ فِي الْعِلَلِ الشَّرْعِيَّةِ لَا فِي مِثْلِ الرَّمْيِ وَالْجُرْحِ .
وَتَرَكَ الْمُصَنِّفُ رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى تَقْيِيدَ الْإِضَافَةِ بِكَوْنِهَا بِلَا وَاسِطَةٍ ؛ لِأَنَّهُ الْمَفْهُومُ مِنْ الْإِطْلَاقِ وَالْإِضَافَةُ بِلَا وَاسِطَةٍ لَا تُنَافِي ثُبُوتَ الْوَاسِطَةِ فِي الْوَاقِعِ ، فَإِنَّهُ يُقَالُ: هَلَكَ بِالْجُرْحِ وَقَتَلَهُ بِالرَّمْيِ مَعَ تَحَقُّقِ الْوَسَائِطِ فَبِاعْتِبَارِ حُصُولِ الْأُمُورِ الثَّلَاثَةِ أَعْنِي الْعِلِّيَّةَ اسْمًا وَمَعْنًى وَحُكْمًا كُلَّهَا ، أَوْ بَعْضَهَا تَصِيرُ الْأَقْسَامُ سَبْعَةً ؛ لِأَنَّهُ إنْ اجْتَمَعَ الْكُلُّ فَوَاحِدٌ وَإِلَّا فَإِنْ اجْتَمَعَ اثْنَانِ فَثَلَاثَةٌ ؛ لِأَنَّهُمَا إمَّا الِاسْمُ وَالْمَعْنَى وَإِمَّا الِاسْمُ وَالْحُكْمُ وَإِمَّا الْمَعْنَى وَالْحُكْمُ وَإِلَّا فَثَلَاثَةٌ أَيْضًا ؛ لِأَنَّ الْحَاصِلَ إمَّا الِاسْمُ ، أَوْ الْمَعْنَى ، أَوْ الْحُكْمُ وَبِوَجْهٍ آخَرَ إنْ كَانَتْ الْعِلَّةُ بِحَسَبِ الْأُمُورِ الثَّلَاثَةِ بَسِيطًا فَثَلَاثَةٌ وَإِلَّا فَإِنْ تَرَكَّبَ مِنْ اثْنَيْنِ فَثَلَاثَةٌ أَيْضًا ، وَإِنْ تَرَكَّبَ مِنْ الثَّلَاثَةِ فَوَاحِدٌ ، وَقَدْ أَهْمَلَ فَخْرُ الْإِسْلَامِ رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى التَّصْرِيحَ بِالْعِلَّةِ مَعْنًى فَقَطْ وَبِالْعِلَّةِ حُكْمًا فَقَطْ وَجَعَلَ الْأَقْسَامَ السَّبْعَةَ هِيَ الْعِلَّةُ اسْمًا وَحُكْمًا وَمَعْنًى وَالْعِلَّةُ اسْمًا فَقَطْ وَالْعِلَّةُ اسْمًا وَمَعْنًى فَقَطْ وَالْعِلَّةُ الَّتِي تُشْبِهُ الْأَسْبَابَ وَالْوَصْفَ الَّذِي يُشْبِهُ الْعِلَلَ وَالْعِلَّةُ مَعْنًى وَحُكْمًا لَا اسْمًا