أَنَّ مِنْ مَشَايِخِنَا مَنْ فَرَّقَ وَقَالَ مِنْ صِفَةِ الْعِلَّةِ تَقَدُّمُهَا عَلَى الْحُكْمِ وَالْحُكْمُ يَعْقُبُهَا ، وَلَا يُقَارِنُهَا بِخِلَافِ الِاسْتِطَاعَةِ مَعَ الْفِعْلِ وَوَجْهُ الْفَرْقِ عَلَى مَا نُقِلَ عَنْ أَبِي الْيُسْرِ أَنَّ الْعِلَّةَ لَا تُوجِبُ الْحُكْمَ إلَّا بَعْدَ وُجُودِهَا فَبِالضَّرُورَةِ يَكُونُ ثُبُوتُ الْحُكْمِ عَقِيبَهَا فَيَلْزَمُ تَقَدُّمُ الْعِلَّةِ بِزَمَانٍ ، وَإِذَا جَازَ بِزَمَانٍ جَازَ بِزَمَانَيْنِ بِخِلَافِ الِاسْتِطَاعَةِ ، فَإِنَّهَا عَرَضٌ لَا تَبْقَى زَمَانَيْنِ ، فَلَوْ لَمْ يَكُنْ الْفِعْلُ مَعَهَا لَزِمَ وُجُودُ الْمَعْلُولِ بِلَا عِلَّةٍ ، أَوْ خُلُوُّ الْعِلَّةِ عَنْ الْمَعْلُولِ ، وَلَا يَلْزَمُ ذَلِكَ فِي الْعِلَلِ الشَّرْعِيَّةِ ؛ لِأَنَّهَا فِي نَفْسِهَا بِمَنْزِلَةِ الْأَعْيَانِ بِدَلِيلِ قَبُولِهَا الْفَسْخَ بَعْدَ أَزْمِنَةٍ مُتَطَاوِلَةٍ كَفَسْخِ الْبَيْعِ وَالْإِجَارَةِ مَثَلًا .
وَالْجَوَابُ أَنَّهُ إنْ أَرَادَ بِقَوْلِهِ: الْعِلَّةُ لَا تُوجِبُ الْحُكْمَ إلَّا بَعْدَ وُجُودِهَا بَعْدِيَّةً زَمَانِيَّةً ، فَهُوَ مَمْنُوعٌ بَلْ عَيْنُ النِّزَاعِ ، وَإِنْ أَرَادَ بَعْدِيَّةً ذَاتِيَّةً ، فَهُوَ لَا يُوجِبُ تَأَخُّرَ الْمَعْلُولِ عَنْ الْعِلَّةِ تَأَخُّرًا زَمَانِيًّا عَلَى مَا هُوَ الْمُدَّعَى ، وَلَوْ سَلِمَ فَيَجُوزُ اشْتِرَاطُ الِاتِّصَالِ بِحُكْمِ الشَّرْعِ حَتَّى لَا يَجُوزَ التَّأَخُّرُ بِزَمَانَيْنِ ، وَإِنْ جَازَ بِزَمَانٍ ، ثُمَّ لَوْ سَلِمَ صِحَّةُ مَا ذَكَرَهُ فِي مَسْأَلَةِ الِاسْتِطَاعَةِ فَدَلِيلُهُ مَنْقُوضٌ بِالْعِلَلِ الْعَقْلِيَّةِ إذَا كَانَتْ أَعْيَانًا لَا أَعْرَاضًا ، وَأَمَّا بَقَاءُ الْعِلَلِ الشَّرْعِيَّةِ حَقِيقَةً كَالْعُقُودِ مَثَلًا ، فَلَا خَفَاءَ فِي بُطْلَانِهِ ، فَإِنَّهَا كَلِمَاتٌ لَا يُتَصَوَّرُ حُدُوثُ حَرْفٍ مِنْهَا حَالَ قِيَامِ حَرْفٍ آخَرَ وَالنَّسْخُ إنَّمَا يَرِدُ عَلَى الْحُكْمِ دُونَ الْعَقْدِ ، وَلَوْ سَلِمَ فَالْحُكْمُ بِبَقَائِهَا ضَرُورِيٌّ ثَبَتَ دَفْعًا لِلْحَاجَةِ إلَى الْفَسْخِ ، فَلَا يَثْبُتُ فِي حَقِّ غَيْرِ الْفَسْخِ .
( قَوْلُهُ: كَالْمُعَلَّقِ بِالشَّرْطِ عَلَى مَا يَأْتِي ) فِي أَقْسَامِ الشَّرْطِ مِنْ أَنَّ وُقُوعَ الطَّلَاقِ قَبْلَ دُخُولِ