وَأَمَّا ثَانِيًا فَلِأَنَّهُ لَيْسَ كُلُّ شَرْطٍ مُتَقَدِّمٍ يُسَمَّى عَلَامَةً كَالطَّهَارَةِ لِلصَّلَاةِ ، وَلَا كُلُّ شَرْطٍ مُتَأَخِّرٍ يَكُونُ فِي مَعْنَى الْعِلَّةِ كَشُهُودِ الْيَمِينِ عَلَى مَا سَبَقَ .
وَأَمَّا ثَالِثًا فَلِأَنَّ الشَّرْطَ الَّذِي فِي مَعْنَى الْعِلَّةِ قَدْ يَتَقَدَّمُ عَلَى صُورَةِ الْعِلَّةِ كَمَا إذَا كَانَ وِلَادَةُ مَنْ سَقَطَ فِي الْبِئْرِ بَعْدَ حَفْرِ الْبِئْرِ ، فَإِنَّ ثِقْلَهُ الَّذِي هُوَ الْعِلَّةُ قَدْ حَصَلَ بَعْدَ الشَّرْطِ أَعْنِي إزَالَةَ الْإِمْسَاكِ عَنْ الْأَرْضِ .
( قَوْلُهُ: وَلَمَّا كَانَ لِي نَظَرٌ فِي كَوْنِ الْإِحْصَانِ عَلَامَةً لَا شَرْطًا فِي مَعْنَى الْعِلَّةِ ) لِقَائِلٍ أَنْ يَقُولَ: كَوْنُهُ عَلَامَةً ، وَإِنْ صَلَحَ مَحَلًّا لِلنَّظَرِ إلَّا أَنَّهُ لَا خَفَاءَ فِي أَنَّهُ لَيْسَ شَرْطًا فِي مَعْنَى الْعِلَّةِ .
إذْ الشَّرْطُ إنَّمَا يَكُونُ فِي مَعْنَى الْعِلَّةِ إذَا لَمْ يُعَارِضْهُ عِلَّةٌ صَالِحَةٌ لِإِضَافَةِ الْحُكْمِ إلَيْهَا كَالزِّنَا هَاهُنَا مَعَ أَنَّ الْإِحْصَانَ عِبَارَةٌ عَنْ خِصَالٍ حَمِيدَةٍ بَعْضُهَا مَنْدُوبٌ إلَيْهِ وَبَعْضُهَا مَأْمُورٌ بِهِ ، فَلَا يَصْلُحُ أَنْ يَكُونَ فِي مَعْنَى الْعِلَّةِ الْمُوجِبَةِ لِلْعُقُوبَةِ الْمَحْضَةِ .
( قَوْلُهُ: فَإِنْ قِيلَ: ) مَبْنَى هَذَا السُّؤَالِ عَلَى الرِّوَايَةِ الْمَذْكُورَةِ فِي الْأَسْرَارِ وَهِيَ أَنَّ عِتْقَ هَذَا الْعَبْدِ لَا يَثْبُتُ بِشَهَادَةِ الْكَافِرَيْنِ ، وَإِنْ كَانَتْ شَهَادَتُهُمَا حُجَّةً عَلَى هَذَا الْعِتْقِ لَوْلَا الزِّنَا ؛ وَذَلِكَ لِأَنَّ قَبُولَ الشَّهَادَةِ فِي الْإِعْتَاقِ قَبْلَ: الزِّنَا يَسْتَلْزِمُ إيجَابَ الرَّجْمِ عَلَى الْمُسْلِمِ ضَرُورَةَ تَحَقُّقِ الْإِحْصَانِ ، وَالْمَذْكُورُ فِي الْهِدَايَةِ وَأَكْثَرِ الْكُتُبِ أَنَّهُ يَثْبُتُ الْعِتْقُ تَضَرُّرًا عَلَى الْمَوْلَى الْكَافِرِ ، وَلَا يَثْبُتُ سَبْقُ تَارِيخِ الْإِعْتَاقِ عَلَى الزِّنَا فِيهِ مِنْ تَضَرُّرِ الْمُسْلِمِ بِوُجُوبِ الرَّجْمِ عَلَيْهِ .
وَالْحَاصِلُ أَنَّ شَهَادَتَهُمَا تَتَضَمَّنُ ثُبُوتَ الْعِتْقِ وَتَقَدُّمَهُ عَلَى الزِّنَا وَضَرَرُ الْأَوَّلِ يَرْجِعُ إلَى الْكَافِرِ فَتُقْبَلُ وَالثَّانِي إلَى الْمُسْلِمِ ، فَلَا تُقْبَلُ