( فَصْلٌ ) ثُمَّ الْأَهْلِيَّةُ ضَرْبَانِ: أَهْلِيَّةُ وُجُوبٍ وَأَهْلِيَّةُ أَدَاءٍ أَمَّا الْأُولَى فَبِنَاءً عَلَى الذِّمَّةِ ، وَهِيَ فِي اللُّغَةِ الْعَهْدُ ، وَفِي الشَّرْعِ وَصْفٌ يَصِيرُ بِهِ الْإِنْسَانُ أَهْلًا لِمَا لَهُ ، وَعَلَيْهِ قَالَ اللَّهُ تَعَالَى { وَإِذْ أَخَذَ رَبُّكَ مِنْ بَنِي آدَمَ مِنْ ظُهُورِهِمْ ذُرِّيَّتَهُمْ وَأَشْهَدَهُمْ عَلَى أَنْفُسِهِمْ أَلَسْتُ بِرَبِّكُمْ قَالُوا بَلَى } هَذِهِ الْآيَةُ إخْبَارٌ عَنْ عَهْدٍ جَرَى بَيْنَ اللَّهِ ، وَبَيْنَ بَنِي آدَمَ ، وَعَنْ إقْرَارِهِمْ بِوَحْدَانِيَّةِ اللَّهِ تَعَالَى وَبِرُبُوبِيَّتِهِ ، وَالْإِشْهَادُ عَلَيْهِمْ دَلِيلٌ عَلَى أَنَّهُمْ يُؤَاخَذُونَ بِمُوجِبِ إقْرَارِهِمْ مِنْ أَدَاءِ حُقُوقٍ تَجِبُ لِلرَّبِّ تَعَالَى عَلَى عِبَادِهِ فَلَا بُدَّ لَهُمْ مِنْ وَصْفٍ يَكُونُونَ بِهِ أَهْلًا لِلْوُجُوبِ عَلَيْهِمْ فَيَثْبُتُ لَهُمْ الذِّمَّةُ بِالْمَعْنَى اللُّغَوِيِّ وَالشَّرْعِيِّ .
( وَقَالَ { وَكُلَّ إنْسَانٍ أَلْزَمْنَاهُ طَائِرَهُ فِي عُنُقِهِ } ) الْعَرَبُ كَانُوا يَنْسُبُونَ الْخَيْرَ وَالشَّرَّ إلَى الطَّائِرِ فَإِنْ مَرَّ سَانِحًا يَتَيَمَّنُونَ بِهِ وَإِنْ مَرَّ بَارِحًا يَتَشَاءَمُونَ بِهِ فَاسْتُعِيرَ الطَّائِرُ لِمَا هُوَ فِي الْحَقِيقَةِ سَبَبٌ لِلْخَيْرِ وَالشَّرِّ ، وَهُوَ قَضَاءُ اللَّهِ تَعَالَى ، وَقَدَرُهُ ، وَأَعْمَالُ الْعِبَادِ فَإِنَّهَا وَسِيلَةٌ لَهُمْ إلَى الْخَيْرِ وَالشَّرِّ فَالْمَعْنَى أَلْزَمْنَاهُ مَا قُضِيَ لَهُ مِنْ خَيْرٍ أَوْ شَرٍ ، وَأَلْزَمْنَاهُ عَمَلَهُ لُزُومَ الْقِلَادَةِ أَوْ الْغُلِّ الْعُنُقَ أَيْ لَا يَنْفَكُّ عَنْهُ أَبَدًا فَدَلَّتْ الْآيَةُ عَلَى لُزُومِ الْعَمَلِ لِلْإِنْسَانِ فَمَحَلُّ ذَلِكَ اللُّزُومُ ، وَهُوَ الذِّمَّةُ فَقَوْلُهُ فِي عُنُقِهِ اسْتَعَارَ الْعُنُقَ لِذَلِكَ الْوَصْفِ الْمَعْنَوِيِّ الَّذِي بِهِ يَلْزَمُ التَّكْلِيفُ لُزُومَ الْقِلَادَةِ أَوْ الْغُلِّ الْعُنُقَ .
( وَقَالَ: { وَحَمَلَهَا الْإِنْسَانُ } ) فَهَذِهِ الْآيَةُ تَدُلُّ عَلَى خُصُوصِيَّةِ الْإِنْسَانِ بِحَمْلِ أَعْبَاءِ التَّكْلِيفِ أَيْ وُجُوبِهَا عَلَيْهِ فَيَثْبُتُ بِهَذِهِ الْآيَاتِ الثَّلَاثِ أَنَّ لِلْإِنْسَانِ وَصْفًا هُوَ بِهِ يَصِيرُ أَهْلًا