نَجْعَلُ جِهَةَ حُسْنِهَا كَوْنَهَا مَأْمُورًا بِهَا بَلْ نَسْتَدِلُّ بِذَلِكَ عَلَى أَنَّهَا حَسَنَةٌ فِي نَفْسِهَا ، وَإِنْ لَمْ نُدْرِكْ جِهَةَ حُسْنِهَا كَمَا أَنَّ الْأَمْرَ الْمُطْلَقَ يَقْتَضِي حُسْنَ الْمَأْمُورِ بِهِ لِمَعْنًى فِي نَفْسِهِ ، وَحَاصِلُ الثَّانِي أَنَّ كُلَّ مَا أَمَرَ بِهِ الشَّارِعُ فَالْإِتْيَانُ بِهِ حَسَنٌ لِذَاتِهِ بِمَعْنَى أَنَّ الْعَقْلَ يَحْكُمُ بِأَنَّ طَاعَةَ اللَّهِ تَعَالَى وَامْتِثَالَ أَمْرِهِ حَسَنٌ لِذَاتِهِ فَيَحْسُنُ الْإِتْيَانُ بِالزَّكَاةِ وَالصَّوْمِ وَالْحَجِّ لِكَوْنِهِ إتْيَانًا بِالْمَأْمُورِ بِهِ ، وَعِنْدَ الْأَشْعَرِيِّ لَا يَحْسُنُ ذَلِكَ عَقْلًا بَلْ الشَّرْعُ هُوَ الَّذِي يَحْكُمُ بِوُجُوبِ الطَّاعَةِ وَحُسْنِهَا ، فَالْحَسَنُ لِمَعْنًى فِي نَفْسِهِ نَوْعَانِ: نَوْعٌ يَكُونُ حُسْنُهُ لِعَيْنِهِ أَوْ لِجُزْئِهِ مَعَ قَطْعِ النَّظَرِ عَنْ كَوْنِهِ إتْيَانًا بِالْمَأْمُورِ بِهِ كَالْإِيمَانِ وَالصَّلَاةِ ، وَنَوْعٌ يَكُونُ حُسْنُهُ لِكَوْنِهِ إتْيَانًا بِالْمَأْمُورِ بِهِ كَالزَّكَاةِ وَنَحْوِهَا ، وَيُشْتَرَطُ فِي حُسْنِ هَذَا النَّوْعِ أَنْ يَكُونَ الْإِتْيَانُ بِهِ لِأَجْلِ كَوْنِهِ مَأْمُورًا بِهِ حَتَّى لَوْ لَمْ يَكُنْ كَذَلِكَ لَمْ يَكُنْ حَسَنًا لِمَعْنًى فِي نَفْسِهِ ، وَبِهَذَا يَنْدَفِعُ لُزُومُ حُسْنِ جَمِيعِ مَا أَمَرَ بِهِ لِجَوَازِ أَنْ يُؤْتَى بِهِ لَا عَلَى قَصْدِ الِامْتِثَالِ كَالْوُضُوءِ لِلتَّبَرُّدِ فَيَحْسُنُ لِغَيْرِهِ لَا لِعَيْنِهِ ، وَبِمَا ذَكَرْنَا مِنْ قَيْدِ قَطْعِ النَّظَرِ عَنْ كَوْنِهِ إتْيَانًا بِالْمَأْمُورِ بِهِ صَارَ النَّوْعُ الثَّانِي مُغَايِرًا لِلنَّوْعِ الْأَوَّلِ ، وَإِلَّا فَالْإِتْيَانُ بِالْمَأْمُورِ بِهِ أَيْضًا حَسَنٌ لِعَيْنِهِ ، ثُمَّ النَّوْعَانِ وَإِنْ تَبَايَنَا بِحَسَبِ الْمَفْهُومِ وَالِاعْتِبَارِ فَلَا تَبَايُنَ بَيْنَهُمَا فِي الْحُصُولِ لِأَمْرٍ وَاحِدٍ كَالْإِيمَانِ يَحْسُنُ لِذَاتِهِ وَلِكَوْنِهِ إتْيَانًا بِالْمَأْمُورِ بِهِ ، وَالْأَوَّلُ يَثْبُتُ قَبْلَ الشَّرْعِ دُونَ الثَّانِي ، وَعَلَى هَذَا لَا يَمْتَنِعُ اجْتِمَاعُ الْحَسَنِ لِذَاتِهِ وَلِغَيْرِهِ فِي شَيْءٍ وَاحِدٍ كَالْوُضُوءِ الْمَنْوِيِّ حَسَنٌ لِذَاتِهِ بِاعْتِبَارِ كَوْنِهِ إتْيَانًا