الْإِمْكَانِ الذَّاتِيِّ غَيْرُ مُفِيدٍ لِأَنَّهُ غَيْرُ مَحَلِّ النِّزَاعِ ، وَقَوْلُهُ: الْعِلْمُ تَابِعٌ لِلْمَعْلُومِ لَا حَاجَةَ إلَيْهِ فِي الْجَوَابِ إلَّا أَنَّهُ دَفْعٌ لِمَا يُقَالُ أَنَّ جَمِيعَ التَّكَالِيفِ تَكْلِيفٌ بِمَا لَا يُطَاقُ ضَرُورَةَ أَنَّ عِلْمَ اللَّهِ تَعَالَى إمَّا مُتَعَلِّقٌ بِوُجُودِ الْفِعْلِ فَيَجِبُ أَوْ بِعَدَمِهِ فَيَمْتَنِعُ ، وَلَا شَيْءَ مِنْ الْوَاجِبِ وَالْمُمْتَنِعِ بِمُسْتَطَاعٍ وَمُقَدَّرٍ ، وَلِقَائِلٍ أَنْ يَمْنَعَ كَوْنَ الْعِلْمِ تَابِعًا لِلْمَعْلُومِ بِمَعْنَى أَنَّهُ لَا يَتَعَلَّقُ إلَّا بَعْدَ وُقُوعِهِ ، فَإِنَّ اللَّهَ تَعَالَى عَالِمٌ فِي الْأَزَلِ بِكُلِّ شَيْءٍ أَنَّهُ يَكُونُ أَوْ لَا يَكُونُ ، وَحِينَئِذٍ يَلْزَمُ الْوُجُوبُ أَوْ الِامْتِنَاعُ ، وَلِهَذَا صَرَّحَ الْمُحَقِّقُونَ بِأَنَّ مَعْنَى كَوْنِ عِلْمِهِ تَابِعًا لِلْمَعْلُومِ أَنَّ الْمُطَابَقَةَ تُعْتَبَرُ مِنْ جِهَةِ الْعِلْمِ بِأَنْ يَكُونَ هُوَ عَلَى طِبْقِ الْمَعْلُومِ وُقُوعًا أَوْ عَدَمَ وُقُوعٍ ، وَيَكْفِي فِي الْجَوَابِ أَنَّ الْوُجُوبَ أَوْ الِامْتِنَاعَ بِوَاسِطَةِ عِلْمِ اللَّهِ تَعَالَى أَوْ إخْبَارِهِ لَا يُوجِبُ كَوْنَ الْفِعْلِ غَيْرَ مَقْدُورٍ لِلْعَبْدِ لِأَنَّ اللَّهَ تَعَالَى يَعْلَمُ أَنَّهُ يُؤْمِنُ أَوْ لَا يُؤْمِنُ بِاخْتِيَارِهِ وَقُدْرَتِهِ فَيَعْلَمُ أَنَّ لَهُ اخْتِيَارًا وَقُدْرَةً فِي الْإِيمَانِ وَعَدَمِهِ ، وَكَذَا فِي الْإِخْبَارِ ، وَقَدْ يُقَالُ فِي تَقْرِيرِ دَلِيلِ الْأَشْعَرِيِّ إنَّ أَبَا جَهْلٍ مُكَلَّفٌ بِالْإِيمَانِ ، وَهُوَ تَصْدِيقُ النَّبِيِّ عَلَيْهِ السَّلَامُ فِي جَمِيعِ مَا عُلِمَ مَجِيئُهُ بِهِ ، وَمِنْ جُمْلَةِ ذَلِكَ أَنَّهُ لَا يُؤْمِنُ فَقَدْ كُلِّفَ بِأَنْ يُصَدِّقَهُ فِي أَنْ لَا يُصَدِّقَهُ ، وَهُوَ مُحَالٌ فَلَزِمَ وُقُوعُ التَّكْلِيفِ بِالْمُمْتَنِعِ بِالذَّاتِ فَضْلًا عَمَّا لَا يُطَاقُ ، وَمَا ذُكِرَ لَا يَصْلُحُ جَوَابًا عَنْ ذَلِكَ ، وَلَا مُخَلِّصَ إلَّا بِمَا قِيلَ إنَّ تَكْلِيفَهُ بِجَمِيعِ مَا أُنْزِلَ إنَّمَا كَانَ قَبْلَ الْإِخْبَارِ بِأَنَّهُ لَا يُؤْمِنُ ، وَبَعْدَهُ هُوَ مُكَلَّفٌ بِمَا عَدَا التَّصْدِيقَ بِأَنَّهُ لَا يُصَدِّقُ ، وَلَا يَخْفَى مَا فِيهِ .
( قَوْلُهُ: