الْفَقِيرِ بِغَيْرِ نِيَّةِ الزَّكَاةِ فَإِنَّهُ يَخْرُجُ عَنْ الْعُهْدَةِ فَإِنْ قِيلَ: إيتَاءُ مِائَتَيْ دِرْهَمٍ إلَى الْفَقِيرِ بِنِيَّةِ الزَّكَاةِ لَا يَصِحُّ عِنْدَ زُفَرَ فَكَيْفَ بِالْهِبَةِ قُلْنَا الْمُرَادُ الْهِبَةُ مُتَفَرِّقَةً أَوْ الْفَقِيرُ الْمَدْيُونُ أَوْ الْكَلَامُ إلْزَامِيٌّ ، وَالْجَوَابُ أَنَّ تَغْيِيرَ الْوَقْتِ لِلصَّوْمِ لَا يَجُوزُ أَنْ يَكُونَ اسْتِحْقَاقًا لِمَنَافِعِ الْعَبْدِ وَإِمْسَاكَاتِهِ عَلَيْهِ ؛ لِأَنَّهُ حِينَئِذٍ يَكُونُ جَبْرُ الْعَدَمِ اخْتِيَارَ الْعَبْدِ فِي صَرْفِهَا فَلَا يَصْلُحُ عِبَادَةً وَقُرْبَةً ؛ لِأَنَّهَا الْفِعْلُ الَّذِي يَقْصِدُ بِهِ الْعَبْدُ التَّقَرُّبَ إلَى اللَّهِ تَعَالَى وَيَصْرِفُهُ عَنْ الْعَادَةِ إلَى الْعِبَادَةِ بِاخْتِيَارِهِ ، فَإِنْ قِيلَ فَمَا مَعْنَى تَعْيِينِ الشَّرْعِ إمْسَاكَ الْعَبْدِ فِي هَذَا الْوَقْتِ لِصَوْمِ رَمَضَانَ قُلْنَا: مَعْنَاهُ أَنَّهُ عَيَّنَ إمْسَاكَهُ الَّذِي يَكُونُ قُرْبَةً ؛ لَأَنْ يَكُونَ صَوْمَ رَمَضَانَ لَا صَوْمًا آخَرَ ، وَالْإِمْسَاكُ بِوَصْفِ الْقُرْبَةِ لَا يَتَحَقَّقُ بِدُونِ النِّيَّةِ إذْ لَا قُرْبَةَ بِدُونِ الْقَصْدِ فَإِنْ قِيلَ: فَإِذَا كَانَتْ الْمَنَافِعُ عَلَى مِلْكِ الْعَبْدِ غَيْرَ مُسْتَحَقَّةٍ عَلَيْهِ فَلِمَ لَمْ يَجُزْ صَرْفُهَا إلَى صَوْمٍ آخَرَ قُلْنَا لِعَدَمِ مَشْرُوعِيَّةِ صَوْمٍ آخَرَ فِي ذَلِكَ الْوَقْتِ كَمَا فِي اللَّيْلِ مَعَ الْقَطْعِ بِأَنَّهُ لَا اسْتِحْقَاقَ فِيهِ أَصْلًا فَظَهَرَ بِمَا ذَكَرْنَا أَنَّ الِاعْتِرَاضَ بِأَنَّ الْإِمْسَاكَ اخْتِيَارِيٌّ لَا جَبْرِيٌّ إنَّمَا يَنْشَأُ مِنْ عَدَمِ تَحْقِيقِ مَعْنَى الْكَلَامِ ، وَأَمَّا هِبَةُ النِّصَابِ فَإِنَّمَا صَارَتْ زَكَاةً مِنْ جِهَةِ أَنَّهَا عِبَادَةٌ تَصْلُحُ أَنْ تَكُونَ مَجَازًا مِنْ الصَّدَقَةِ بِنَاءً عَلَى أَنَّ الْمُبْتَغَى بِهَا وَجْهُ اللَّهِ تَعَالَى لَا عِوَضٌ مِنْ الْفَقِيرِ ، وَذَكَرَ الْإِمَامُ السَّرَخْسِيُّ رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى أَنَّ مَعْنَى الْقَصْدِ حَصَلَ بِاخْتِيَارِ الْمَحَلِّ ، وَمَعْنَى الْقُرْبَةِ بِحَاجَةِ الْمَحَلِّ لِحُصُولِ الثَّوَابِ بِمُجَرَّدِ الْهِبَةِ مِنْ الْفَقِيرِ ، وَلِهَذَا لَا يَمْلِكُ الرُّجُوعَ .
( قَوْلُهُ وَقَالَ