أَنْ يَخْفَى عَلَيْهِ مَعَانِي النَّصِّ ) الْمُرَادُ بِهَا الْعِلَلُ .
( فَإِذَا وَضَحَ لَهُ لَزِمَهُ الْعَمَلُ ؛ وَلِأَنَّهُ شَاوَرَ أَصْحَابَهُ فِي سَائِرِ الْحَوَادِثِ عِنْدَ عَدَمِ النَّصِّ فَأَخَذَ فِي أُسَارَى بَدْرٍ بِرَأْيِ أَبِي بَكْرٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ ) رُوِيَ { أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَتَى يَوْمَ بَدْرٍ بِسَبْعِينَ أَسِيرًا فِيهِمْ الْعَبَّاسُ عَمُّهُ عَلَيْهِ السَّلَامُ وَعَقِيلُ ابْنُ عَمِّهِ أَبِي طَالِبٍ فَاسْتَشَارَ أَبَا بَكْرٍ فِيهِمْ فَقَالَ: قَوْمُكَ وَأَهْلُكَ فَاسْتَبْقِهِمْ لَعَلَّ اللَّهَ أَنْ يَتُوبَ عَلَيْهِمْ ، وَخُذْ مِنْهُمْ فِدْيَةً يَقْوَى بِهَا أَصْحَابُكَ ، وَقَالَ عُمَرُ كَذَّبُوكَ ، وَأَخْرَجُوك فَقَدِّمْهُمْ وَاضْرِبْ أَعْنَاقَهُمْ فَإِنَّ هَؤُلَاءِ أَئِمَّةُ الْكُفْرِ ، وَإِنَّ اللَّهَ عَزَّ وَجَلَّ أَغْنَاكَ عَنْ الْفِدَاءِ مَكِّنْ عَلِيًّا مِنْ عَقِيلٍ وَحَمْزَةَ مِنْ عَبَّاسٍ ، وَمَكِّنِّي مِنْ فُلَانٍ لِنَسِيبٍ لَهُ فَلْنَضْرِبْ أَعْنَاقَهُمْ فَأَخَذَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِرَأْيِ أَبِي بَكْرٍ ، وَكَانَ ذَلِكَ هُوَ الرَّأْيُ عِنْدَهُ فَمَنَّ عَلَيْهِمْ حَتَّى نَزَلَ قَوْله تَعَالَى لَوْلَا كِتَابٌ مِنْ اللَّهِ سَبَقَ لَمَسَّكُمْ فِيمَا أَخَذْتُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ } أَيْ: لَوْلَا حُكْمُ اللَّهِ سَبَقَ فِي اللَّوْحِ الْمَحْفُوظِ ، وَهُوَ أَنَّهُ لَا يُعَاقَبُ أَحَدٌ بِالْخَطَأِ ، فَكَانَ هَذَا خَطَأً فِي الِاجْتِهَادِ ؛ لِأَنَّهُمْ نَظَرُوا فِي أَنَّ اسْتِبْقَاءَهُمْ رُبَّمَا كَانَ سَبَبًا لِإِسْلَامِهِمْ وَتَوْبَتِهِمْ وَأَنَّ فِدَاءَهُمْ يُتَقَوَّى بِهِ عَلَى الْجِهَادِ فِي سَبِيلِ اللَّهِ ، وَخَفِيَ عَلَيْهِمْ أَنَّ قَتْلَهُمْ أَعَزُّ لِلْإِسْلَامِ ، وَأَهْيَبُ لِمَنْ وَرَاءَهُمْ ، وَأَقَلُّ لِشَوْكَتِهِمْ فَلَمَّا نَزَلَتْ هَذِهِ الْآيَةُ قَالَ عَلَيْهِ السَّلَامُ { لَوْ نَزَلَ بِنَا عَذَابٌ مَا نَجَا إلَّا عُمَرُ } وَلِهَذِهِ الْآيَةِ تَأْوِيلٌ آخَرُ نَذْكُرُهُ فِي بَابِ الِاجْتِهَادِ إنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى .
( وَمِثْلُ ذَلِكَ كَثِيرٌ ) أَيْ: مِثْلُ مَا أَخَذَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِرَأْيِ أَصْحَابِهِ كَثِيرٌ ،