صغيرة. أعني ابن فلاح فقير فانتهى أمره بأن أصبح مليونير بل قل أكبر من مليونير بعشرين مرة وما ذلك إلا لأنه كان يملك غريزة تكثير المال وتنميته ولأنه كان ينتهز الفرص السوانح التي تعرض له - الرفص التي مهد لها استخدام الآلة البخارية في تسيير السفن على صدر الاوقيانوس. وبفضل كل أولئك استطاع أن يجمع ثروة كبرى.
ولكن مما لا ريب فيه أننا لا نستطيع جميعًا أن نقتفي أثر ذلك الملك العظيم ملك السكة الحديد لأن الفرص التي وقعت له لا تقع لنا بحذافيرها. ولأن الظروف تغيرت، وإنما نستطيع على الرغم من كل هذا أن نتبع طرقه العامة بأن ننتهز الفرص التي تمهد لنا ونحتال بكل ما نستطيع على بلوغ الثراء.
من كل هذه النعمة نستطيع الآن أن ندرك ما وراء كل هذه المقالات وأشباهها وتلك الكتب وإضرابها، فليس المقصود العمل والاجتهاد، والدأب والسعي وإنما هو جلال المال وغموض مسألة الثروة وجمعها وهذا المقال يدا دلالة واضحة على أن الكاتب لا يدري شيئًا قط عن الطريقة التي جمع بها فندربلت ماله وثراءه ولا عن الطريقة التي يجمع بها أي إنسان آخر المال. ولا أنكر أنه رسم خطة في هذه الأسطر ولكنها ليست الطريقة التي اتبعها فندربلت أصلًا. وإنما أراد من كل هذا أن يسجد للغز المال وجمعه وتنميته ووفرته، لأننا عند ما نعيد شيئًا من الأشياء لا نولع إلا بالناحية الغامضة الرهيبة منه فمثلًا عندما يعشق رجلًا امرأة لا يلذه منها ولا يروق في عينيه من خصالها إلا غرابة أطوارها وتدللها وطفولة عقلها، وكذلك الشاعر المتدين المؤمن الذي يحب دائمًا أن يصور الخالق في صورة غامضة جد الغموض ولكن الكاتب الذي بسطنا كلامه ليس أمام إله أو خالق ولا هو متعشق امرأة وإنما الشيء الذي يعشقه ويعبده هو فندربلت فهو ينظر إلى نظر المؤمن إلى الله وهو لا يكتم سروره وفرحه بأن إلهه فندربلت يخفي عنه سرًا له مكتومًا بل أن روحه لتمتلئ ابتهاجًا ولذة ومكرًا وخبثًا أشبه بخبث القساوسة ومكرهم إذ يريد أن يكشف للناس اللئام عن هذا السر الذي لا يدري منه حرفًا.
وقد انتقل الكاتب إلى الكلام عن الغريزة التي تجعل الناس أغنياء فقال: (في العصور الغابرة كانت هذه الغريزة مفهومة على حقيقتها وقد عبدها اليونان القدماء باختراع قصة الملك ميداس الذي كلما لمس شيئًا استحال في يده ذهبًا وكثيرون أمثال ميداس في هذا