فهرس الكتاب

الصفحة 450 من 896

فَلَا إِثْمَ عَلَيْهِ لِمَنِ اتَّقَى وَاتَّقُوا اللَّهَ [البقرة: 203] فإن قوله {فَلَا إِثْمَ عَلَيْهِ} نظير قوله جناح ولما كانت هذه الآية لا يتصور فيها الماضي كما هو بين لأنه شرط وجزاء للمستقبل ويصلح للحال قال: {فَلَا إِثْمَ عَلَيْهِ} يعني في الحال لمن اتقى الله فيها ثم ذكر ما يصلح للمستقبل فقال {وَاتَّقُوا اللَّهَ} فإذا قرنت هذه بتلك بانت لك فائدة التكرار , وأن ذلك لأجل عموم الأزمنة.

الوجه الثاني: أن الأول في مقام الإسلام والثاني في مقام الإيمان والثالث في مقام الإحسان: والمؤمن لا تكمل تقواه حتى يترك ما حرم الله ولا يتم دينه إلا بهذه المقامات الثلاثة لأن مقام الإسلام يقتضي وجود الأعمال الظاهرة مع الإيمان والتقوى , فقال فيها: {إِذَا مَا اتَّقَوْا وَآَمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ} ومقام الإيمان لا بد فيه من القيام بأركان الإيمان مع التقوى , فقال فيه: {ثُمَّ اتَّقَوْا وَآَمَنُوا} ومقام الإحسان لا بد فيه من المقام بالإحسان مع التقوى , فقال فيه: {ثُمَّ اتَّقَوْا وَأَحْسَنُوا} فنفي الجناح العام لا يكون إلا لمن قام بمقامات الدين كلها ; وعلى هذين الوجهين ففي الآية الكريمة من بيان جلالة القرآن وعظمته وإحكام معانيه ورصانتها وعدم اختلالها واختلافها , ما يشهد به العبد أنه كلام الله حقا وصدقا وعدلا وأنه محتو على أعلى رتب البلاغة التي لا يقاربه فيها أي كلام كان، وقد يقال إن كلا الوجهين مراد , لأن اللفظ لا يأباه والمعنى مفتقر إليه ; وطريقة القرآن أن يحمل على أعم الوجوه المناسبة لأنه تنزيل من حكيم حميد , عليم بكل شيء , والله أعلم بمراده وأسرار كتابه).ا. هـ (1)

الدراسة:

استنبط السعدي من هذه الآية فائدة تكرار التقوى ثلاث مرات في هذه الآية، واستحسن في ذلك وجهين: أحدهما: لشمولية عموم الأزمنة،

(1) انظر: المواهب الربانبة للسعدي (100) .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت