وفي الحديث قال - صلى الله عليه وسلم: (أيُّهَا النَّاسُ، قَدْ آنَ لَكُمْ أَنْ تَنْتَهُوا عن حُدُودِ الله، مَنْ أَصَابَ مِنْ هَذِهِ الْقَاذُورَاتِ شَيْئًا، فَلْيَسْتَتِرْ بِسِتْرِ الله، فَإِنَّهُ مَنْ يُبْدِ لَنَا صَفْحَتَهُ، نُقِمْ عَلَيْهِ كِتَابَ اللهِ) ؛ رواهُ مالكٌ عن زيدِ بنِ أسلَمَ مُرسَلًا (1) ، والحاكمُ عن ابنِ عمرَ (2) .
وقد جاء في"المسنَدِ"، وعندَ أبي داودَ والنَّسائيِّ؛ مِن حديثِ يَزيدَ بنِ نُعيمِ بنِ هَزَّالٍ، عن أبيهِ؛ أنَّ النبيَّ - صلى الله عليه وسلم - قال لأبيهِ في ماعزٍ لمَّا جاء إلى النبيِّ - صلى الله عليه وسلم - في الرابعةِ يُريدُ الحَدَّ، فلمَّا رُجِمَ ووجَدَ مَسَّ الحجارة، جَزعَ وخرَجَ يَشتَدُّ، قال: (وَاللهِ يَا هَزَّالُ، لَوْ كُنْتَ سَتَرْتَهُ بِثَوْبِكَ، كَانَ خَيْرًا مِمَّا صَنَعْتَ بِهِ) (3) ؛ وهذا محمولٌ على أنَّ هزَّالًا ليس مِن السُّلْطان، وفي مِثلِ حالِ ماعزٍ: مقبِلٌ تائبُ، لا مُستكبِرٌ مُفسِدٌ مُعانِدٌ.
وقد تواتَرَتِ الأدلَّةُ على فضلِ السَّتْر، وسَتْرِ المُخطِئينَ؛ كما في"الصحيح": (مَنْ سَتَرَ مُسْلِمًا، سَتَرَهُ اللهُ فِي الدُّنْيَا وَالآخِرَةِ) (4) ، وقد تواتَرَتِ الأحاديثُ في السَّتْرِ مِن حديثِ أبي هريرةَ وابنِ مسعودٍ وابنِ عمرَ وغيرِهم.
وقد جعَلَ اللهُ مكفِّراتِ الذنوبِ التوبةَ وإقامةَ الحدود، وإنَّما جعَلَ اللهُ الحدودَ مكفِّراتٍ، لا تزهيدًا في التوبةِ والسَّتْرِ؛ ولكنْ جَبْرًا لنفس مَن أصابَ حدًّا حينَما تقومُ عليه البيِّنةُ ويبلُغُ السُّلْطانَ؛ أنَّ الله لا يَجمَعُ عليه عذابَيْنِ.
وبفضلِ سَتْرِ النفسِ على إقامةِ الحدِّ جزَمَ جماعةٌ من الأئمَّةِ؛ كمالكٍ والشافعيِّ وأحمدَ وغيرِهم.
(1) أخرجه مالك في"الموطأ" (عبد الباقي) (12) (2/ 825) .
(2) أخرجه الحاكم في"المستدرك" (4/ 244) و (4/ 383) .
(3) أخرجه أحمد (21890) (5/ 216) ، وأبو داود (4377) (4/ 134) ، والنسائي في السنن الكبرى (7234) (6/ 461) .
(4) أخرجه مسلم (2699) (4/ 2074) .