ويدخُلُ في حُكْمِ النجوى حديثُ الإنسانِ بلُغَةٍ لا يَفهَمُها إلَّا هو ومن يتحدَّثُ معه عندَ مَن يَسمَعُها ولا يَفهَمُ المرادَ، ويَعلَمُ تكلُّفَهُمْ بقصدِ عدمِ إفهامِه ما يقولونَ؛ كمَن يتكلَّمُ بالفارسيَّةِ والإنجليزيَّةِ عندَ مَن لا يَعرِفُ إلَّا العربيَّةَ، وهم يَعرِفونَ جميعًا الكلامَ بالعربيَّةِ مِثلَه؛ ولكنَّهم تَكلَّفُوا تَرْكَها، لعدمِ فهمِهِ لمرادِهم.
* قال اللَّهُ تعالى؛ {يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا قِيلَ لَكُمْ تَفَسَّحُوا فِي الْمَجَالِسِ فَافْسَحُوا يَفْسَحِ اللَّهُ لَكُمْ وَإِذَا قِيلَ انْشُزُوا فَانْشُزُوا يَرْفَعِ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنْكُمْ وَالَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ دَرَجَاتٍ وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرٌ (11) } [المجادلة: 11] .
هذه الآية في آدابِ المَجالِس، وفيها حثٌّ على حِفْظِ حقِّ الداخِلينَ بالجلوسِ، وفضلُ التوسعةِ لهم وإيوائِهم؛ ففي ذلك من المودَّةِ والمحَبَّةِ والرحمةِ ما يُؤلَّفُ به بين القلوبِ، وعلى هذا كان يَحرِصُ السلفُ، وقد قال سعيدُ بنُ العاصِ:"لجليسي عليَّ ثلاثُ خِصالٍ: إذا دَنَا رَحَّبْتُ به، وإذا جلَسَ وَسَّعْتُ له، وإذا حدَّث أَقْبَلْتُ عليه" (1) .
ويُستحَبُّ للداخِلِ أحكامٌ؛ منها: الاستئذانُ، وبَذْلُ السلامِ، على ما تقدَّم في سُورةِ النورِ وغيرِها، ومنها: أن يَجلِسَ حيثُ يَنتْهي به المَجلسُ، وهكذا كان يَفْعَلُ النَّبيُّ -صلى اللَّه عليه وسلم- وأصحابُهُ؛ فقد رَوَى أحمدُ وأبو داودَ والترمذيُّ وغيرُهُم عن جابرِ بنِ سَمرَةَ؛ قال:"كُنَّا إِذَا أَتَيْنَا النَّبِيَّ -صلى اللَّه عليه وسلم-، جَلَسَ أَحَدُنَا حَيْثُ يَنْتَهِي" (2) .
(1) "تاريخ دمشق" (21/ 137) ، و"تهذيب الكمال" (10/ 507) .
(2) أخرجه أحمد (5/ 91) ، وأبو داود (4825) ، والترمذي (2725) ، والنسائي في"السنن الكبرى" (5868) .