سورةُ العنكبوتِ مكيَّةٌ، وإنَّما الكلامُ على مدَنِيَّةِ أوَّلِها، وهي إحدى عَشْرَةَ آيةً مِن أولِها، فقال جماعةً بأنَّها نزَلَت في المدينةِ؛ وذلك لأنَّ اللَّهَ افتتَحَ السورةَ بخِطابِ المؤمنِين، وحذَّر مِن النِّفَاقِ في الحاديةَ عشْرَةَ، فقال: {وَلَيَعْلَمَنَّ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا وَلَيَعْلَمَنَّ الْمُنَافِقِينَ} [العنكبوت: 11] ، والنِّفاقُ ظهَرَ في المدينةِ، والناسُ في مكةَ: إمَّا مؤمنونَ، وإمَّا كفارٌ ظاهِرون، ثمَّ بعدَ ذلك بدَأ الخِطابُ بحالِ الكافرينَ: {وَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لِلَّذِينَ آمَنُوا اتَّبِعُوا سَبِيلَنَا وَلْنَحْمِلْ خَطَايَاكُمْ} [العنكبوت: 12] ؛ فهذا وما بعدَه نزَل بمَكَّةَ عندَ الأكثرِ (1) .
ويَظهرُ في آياتِها ما تُعرَفُ به السُّوَرُ المكيَّةُ مِن خِطَابِ الكافرِين، وذِكْرِ الآياتِ وإعجازِ القرآنِ، والعِبَرِ والأمرِ بالاعتبارِ والمعجِزاتِ، وقَصَصِ بعضِ الأنبياءِ مع أُممِهم، والوعيدِ في الآخرةِ للمُعانِدِين.
* قال تعالى: {وَوَصَّيْنَا الْإِنْسَانَ بِوَالِدَيْهِ حُسْنًا وَإِنْ جَاهَدَاكَ لِتُشْرِكَ بِي مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ فَلَا تُطِعْهُمَا إِلَيَّ مَرْجِعُكُمْ فَأُنَبِّئُكُمْ بِمَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ} [العنكبوت: 8] .
أمَر اللَّهُ بالإحسانِ إلى الوالدَيْنِ، ونَهَى عن طاعتِهما في الشِّرْكِ، ولم يذكُرْ جميعَ المعاصي، مع أنَّه لا طاعةَ لأيِّ مخلوقٍ في معصيةِ
(1) ينظر:"تفسير ابن عطية" (4/ 305) ، و"زاد المسير" (3/ 398) ، و"تفسير القرطبي" (16/ 333) .