أحمدَ، وهو الصحيحُ مِن مذهبِ الشافعيَّةِ وقولُ جمهورِهم المتقدِّمينَ، والأفضلُ عندَهم: التصدُّقُ بأكثرِها.
* قال تعالى: {ثُمَّ لْيَقْضُوا تَفَثَهُمْ وَلْيُوفُوا نُذُورَهُمْ وَلْيَطَّوَّفُوا بِالْبَيْتِ الْعَتِيقِ (29) } [الحج: 29] .
يُشرَعُ يومَ النَّحْرِ أنْ يأخُذَ الحاجُّ بأسبابِ التحلُّلِ، وأوَّلُها رميُ جمرةِ العَقَبةِ، وبها يتخلَّلُ تحلُّلَهُ الأولَ على الأرجحِ، ويُستحَبُّ أن يأتيَ بأعمالِ النحرِ؛ كما فعَلَها رسولُ اللَّهِ -صلى اللَّه عليه وسلم- مرتَّبةً، فيَبدأْ بجَمْرةِ العَقَبةِ، ثمَّ يَنحَرُ هَدْيَه، ثمَّ يَحلِقُ، ثُمَّ يطوفُ بالبيت؛ وذلك أنَّ اللَّه تعالى يقولُ: {وَلَا تَحْلِقُوا رُءُوسَكُمْ حَتَّى يَبْلُغَ الْهَدْيُ مَحِلَّهُ} [البقرة: 196] .
ولو قدَّم أو أخَّر شيئًا على شيءٍ مِن أعمالِ يومِ النحرِ، جاز له ذلك؛ وذلك أنَّ النبيَّ -صلى اللَّه عليه وسلم- فعَلَ هذه الأعمالَ ولم يُلزِمْ بها، بل خَفَّفَ لمَن اجتهَدَ وقد قَدَّمَ بينَها وأَخَّرَ، كما ثبَت في"الصحيحَيْنِ"؛ مِن حديثِ عبدِ اللَّهِ بنِ عمرٍو؛ أنَّ رسولَ اللَّهِ -صلى اللَّه عليه وسلم- وَقَفَ فِي حَجَّةِ الوَدَاعِ، فَجَعَلُوا يَسْأَلُونَهُ، فَقَالَ رَجُلٌ: لَمْ أَشْعُرْ، فَحَلَقْتُ قَبْلَ أَنْ أَذْبَحَ؟ قَالَ: (اذْبَحْ وَلَا حَرَجَ) ، فَجَاءَ آخَرُ، فَقَالَ: لَمْ أَشْعُرْ، فَنَحَرْتُ قَبْلَ أَنْ أَرْمِيَ؟ قَالَ: (ارْمِ وَلَا حَرَجَ) ، فَمَا سُئِلَ يَومَئِذٍ عَنْ شَيْءٍ قُدَّمَ وَلَا أُخِّرَ، إِلَّا قَالَ: (افْعَلْ وَلَا حَرَجَ) (1) .
والتَّفَثُ في قولِه: {ثُمَّ لْيَقْضُوا تَفَثَهُمْ} هي أعمالُ النحرِ؛ مِن الرَّمْيِ، والحَلْقِ، ولُبْسِ المَخِيطِ، وقَصِّ الأظفارِ والشاربِ، وجاء عن ابنِ عبَّاسٍ وابنِ عمرَ أنَّها جميعُ أعمالِ المناسكِ (2) .
(1) أخرجه البخاري (1736) ، ومسلم (1306) .
(2) "تفسير الطبري" (16/ 526) .