وفي قولِهِ تعالى: {وَقُلْ آمَنْتُ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ مِنْ كِتَابٍ وَأُمِرْتُ لِأَعْدِلَ بَيْنَكُمُ} أنَّ اللَّهَ أنزَلَ القرآنَ لإِقامةِ الدِّينِ وإصلاحِ الدُّنيا، ولا يُلتمَسُ عدلٌ كعَدْلِه، وتُصِيبُ العقولُ التي خلَقَها اللَّهُ كثيرًا مِن الحقِّ بفِطْرتِها، ولكنْ لا تُصيبُ الحقَّ كاملًا إلَّا بالقرآنِ.
* قال اللَّهُ تعالى: {ذَلِكَ الَّذِي يُبَشِّرُ اللَّهُ عِبَادَهُ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ قُلْ لَا أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ أَجْرًا إِلَّا الْمَوَدَّةَ فِي الْقُرْبَى وَمَنْ يَقْتَرِفْ حَسَنَةً نَزِدْ لَهُ فِيهَا حُسْنًا إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ شَكُورٌ} [الشورى: 23] .
دعا اللَّهُ المُصلِحِينَ إِلَى التجرُّدِ والإعراضِ عن دُنْيا الناسِ؛ حتى لا يظُنُّوا بهم سُوءًا؛ كطمعٍ في الدُّنيا والجاهِ؛ وذلك أنَّ أولَ ظنِّ الظالمينَ بالمُصْلِحِين حينَما يُنكِرُونَ عليهم ضلالَهُمْ: أَنَّهم يُرِيدونَ مُزَاحَمَتَهم على سُلْطَانِهم وجَاهِهِم؛ لأنَّ نفوسَهم تتشَرَّبُ مِن اتباعِ ذلك، فيَخافُ الإنسانُ على أنفَسِ شيءٍ عليه؛ لذا يَخافونَ المزاحَمةَ، فيَشُكُّونَ فِي المُصلِحِينَ، وهكذا ظَنُّوا بالنبيِّ -صلى اللَّه عليه وسلم- بمكةَ، فعرَضُوا عليه المالَ والنِّساءَ، وفي"المسنَدِ"عن عبدِ الرحمنِ بن شِبْلٍ؛ أَنَّه قال: سمعتُ رسولَ اللَّهِ -صلى اللَّه عليه وسلم- يقولُ: (تَعَلَّمُوا الْقُرْآنَ، فَإِذَا عَلِمْتُمُوهُ، فَلَا تَغْلُوَا فِيهِ، وَلَا تَجْفُوا عَنْهُ، وَلَا تَأْكُلُوا بِهِ، وَلَا تَسْتَكْثِرُوا بِهِ) (1) .
وقد تقدَّم الكلامُ على الحِكْمةِ مِن نهي الأنبياءِ وأَتْباعِهم عن ذلك، عندَ قَولِهِ تعالى: {وَيَاقَوْمِ لَا أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ مَالًا إِنْ أَجْرِيَ إِلَّا عَلَى اللَّهِ وَمَا أَنَا بِطَارِدِ الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّهُمْ مُلَاقُو رَبِّهِمْ وَلَكِنِّي أَرَاكُمْ قَوْمًا تَجْهَلُونَ} [هود: 29] .
(1) أخرجه أحمد (3/ 444) .