أني من أرماكم رجلًا، وايم الله لا تصلون إلي حتى أرمي بكل سهم في كنانتي، ثم أضرب بسيفي ما بقي في يدي فيه شئ ثم افعلوا ما شئتم، وإن شئتم دللتكم على مالي وقنيتي بمكة وخليتم سبيلي. قالوا: نعم. فلما قدم على النبي - قال: ربح البيع، ربح البيع، ونزلت: - وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَشْرِي نَفْسَهُ ابْتِغَاءَ مَرْضَاةِ اللَّهِ وَاللَّهُ رَءُوفٌ بِالْعِبَادِ (207) - [1] " [2] "
وروى ابن أبي شيبة [3] بإسناده أن كتيبة من كتائب الكفار جاءت من قبل المشرق، فلقيهم رجل من الأنصار، فحمل عليهم، فخرق الصف حتى خرج، ثم كر راجعًا، فصنع مثل ذلك مرتين أو ثلاثًا، فإذا سعد بن هشام يذكر ذلك لأبي هريرة، فتلا هذه الآية - وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَشْرِي نَفْسَهُ ابْتِغَاءَ مَرْضَاةِ اللَّهِ - [4] . [5]
وجه الاستدلال: دلت الآية وما ورد في سبب نزولها على أن تعريض النفس للقتل من الجهاد
(1) [البقرة: 207]
(2) أخرجه الحاكم 3/ 450 وقال:"صحيح على شرط مسلم ولم يخرجاه"، ورواه ابن حبان 15/ 557 وصححه، والطبراني في الكبير 8/ 31، وأبو نعيم في الحلية 1/ 151، وصححه الضياء المقدسي في الأحاديث المختارة 8/ 79
قال الطبري في تفسيره 2/ 322:"وأما ما روي من نزول الآية في أمر صهيب فإن ذلك غير مستنكر، إذ كان غير مدفوع جواز نزول آية من عند الله على رسوله - بسبب من الأسباب والمعني بها كل من شمله ظاهرها. فالصواب من القول في ذلك أن يقال إن الله عز ذكره وصف شاريًا نفسه ابتغاء مرضاته، فكل من باع نفسه في طاعته حتى قتل فيها أو استقتل وإن لم يقتل فمعني بقوله ومن الناس من يشري نفسه ابتغاء مرضات الله، في جهاد عدو المسلمين كان ذلك منه أو في أمر بمعروف أو نهي عن منكر".
وقال ابن كثير في تفسيره 1/ 248:"وأما الأكثرون فحملوا ذلك على أنها نزلت في كل مجاهد في سبيل الله".
(3) ابن أبي شيبة: أبو بكر عبد الله بن محمد بن القاضي أبي شيبة إبراهيم بن عثمان بن خواستي العبسي مولاهم الكوفي، الإمام العلم سيد الحفاظ وصاحب الكتب الكبار المسند والمصنف والتفسير، ت:235هـ. ينظر: تهذيب الكمال 16/ 34، سير أعلام النبلاء 11/ 122، طبقات الحفاظ 2/ 432
(4) [البقرة: 207]
(5) رواه ابن أبي شيبة في المصنف 5/ 322 قال: حدثنا محمد بن أبي عدي عن بن عون عن محمد به.
قلت: إسناده صحيح، ورجاله كلهم ثقات. ومحمد بن أبي عدي: هو محمد بن إبراهيم بن أبي عدي، وابن عون: هو عبد الله بن عون بن أرطبان البصري، ومحمد: هو محمد بن سيرين الأنصاري الإمام المشهور.