بالنفس الذي يحبه الله ويرضاه.
قال ابن تيمية:"فقوله (يشري نفسه) أي يبيع نفسه لله تعالى ابتغاء مرضاته، وذلك يكون بأن يبذل نفسه فيما يحبه الله ويرضاه، وإن قُتِل أو غلب على ظنه أن يقتل" [1] .
الدليل الثاني: ما رواه البخاري عن أبي هريرة - قال: بعث رسول الله - عشرة رهط سرية عينًا وأَمَّر عليهم عاصم بن ثابت الأنصاري [2] ، فانطلقوا حتى إذا كانوا بالهَدْأَة - وهو موضع بين عُسْفان ومكة - ذكروا لحي من هذيل يقال لهم: بنو لَحْيان، فنفروا لهم قريبًا من مائتي رجل كلهم رام، فاقتصوا آثارهم حتى وجدوا مأكلهم تمرا تزودوه من المدينة، فقالوا: هذا تمر يثرب، فاقتصوا آثارهم فلما رآهم عاصم وأصحابه لجئوا إلى فَدْفَد [3] وأحاط بهم القوم، فقالوا لهم: انزلوا وأعطونا بأيديكم ولكم العهد والميثاق ولا نقتل منكم أحدًا. قال عاصم بن ثابت أمير السرية: أما أنا فوالله لا أنزل اليوم في ذمة كافر، اللهم أخبر عنا نبيك، فرموهم بالنبل فقتلوا عاصمًا في سبعة. فنزل إليهم ثلاثة رهط بالعهد والميثاق منهم خبيب الأنصاري وابن دَثِنَة [4] ورجل آخر، فلما استمكنوا منهم أطلقوا أوتار قِسِيِّهم فأوثقوهم. فقال الرجل الثالث: هذا أول الغدر، والله لا أصحبكم، إن لي في هؤلاء لأسوة يريد القتلى، فجرَّرُوه وعالجوه على أن يصحبهم فأبى فقتلوه فانطلقوا بخبيب وابن دثنة حتى باعوهما بمكة ...
(1) قاعدة في الانغماس في العدو وهل يباح؟ / 32
(2) عاصم بن ثابت بن أبي الأقلح الأنصاري (صحابي) : جد عاصم بن عمر بن الخطاب لأمه، من السابقين الأولين من الأنصار، شهد بدرًا، وبعثه رسول الله - في أواخر السنة الثالثة على سرية في قصة طويلة وفيها أنه حين قتله بنو لحيان حي من هذيل أرسلت قريش ليأخذوا شيئًا من جسده، فبعث الله عليه مثل الظلة من الدُّبُر -ذكور النحل- فحمته منهم ولذلك كان يقال له: حَمِي الدُّبُر. ينظر: الطبقات الكبرى 3/ 462، الاستيعاب في معرفة الأصحاب 2/ 779، الإصابة في تمييز الصحابة 3/ 569
(3) الفَدْفَدْ: الموضع الذي فيه غِلظٌ وارتفاع. لسان العرب مادة (فدفد) 3/ 330
(4) زيد بن دَثِنة (صحابي) : زيد بن دثنة ويقال ابن الدَّثِنة بن معاوية بن عبيد الأنصاري البياضي، شهد بدرًا وأحدًا، وأُسِر يوم الرجيع مع خبيب بن عدي فبيع بمكة من صفوان بن أمية فقتله وذلك في سنة ثلاث من الهجرة.
ينظر: الاستيعاب في معرفة الأصحاب 2/ 553، سير أعلام النبلاء 1/ 246، الإصابة في تمييز الصحابة 2/ 604