ومن أدلة هذا القول ما يلي:
الدليل الأول: قوله سبحانه وتعالى: - وَيُؤْثِرُونَ عَلَى أَنْفُسِهِمْ وَلَوْ كَانَ بِهِمْ خَصَاصَةٌ - [1]
وجه الاستدلال: أن هذا العمل من الإيثار المحمود الذي يحبه الله تعالى ويرضاه، والإيثار بالنفس فوق الإيثار بالمال، وإن عاد إلى النفس. [2]
قال ابن القيم:"وعلى هذا فإذا اشتد العطش بجماعة وعاينوا التلف ومع بعضهم ماء فآثر على نفسه واستسلم للموت كان ذلك جائزًا ولم يُقَلْ أنه قاتلٌ لنفسه، ولا أنه فعل محرمًا، بل هذا غاية الجود والسخاء، كما قال تعالى: - (( (( (( (( (( (( (عَلَى أَنْفُسِهِمْ وَلَوْ كَانَ بِهِمْ خَصَاصَةٌ [3] ، وقد جرى هذا بعينه لجماعة من الصحابة في فتوح الشام وعُدَّ ذلك من مناقبهم وفضائلهم" [4] .
الدليل الثاني: عن أنس بن مالك - قال:"كان رسول الله - أحسن الناس وكان أجود الناس وكان أشجع الناس، ولقد فزع أهل المدينة ذات ليلة فانطلق ناس قِبَل الصوت، فتلقاهم رسول الله - راجعًا وقد سبقهم إلى الصوت وهو على فرس لأبي طلحة عُرْيٍ - أي ليس عليه سرج - في عنقه السيف، وهو يقول: لم تراعوا، لم تراعوا"متفق عليه. [5]
وجه الاستدلال: أنه - خرج وحده بلا عُدَّة كاملة، وخاطر بنفسه دون الناس إيثارًا لهم بالسلامة. وهذا الفعل منه - كما ذكر الشاطبي:"راجعٌ إلى تحمل أعظم المشقات عن الغير، ووجه عموم المصلحة هنا في مبادرته - بنفسه ظاهر، لأنه كان كالجُنَّة للمسلمين" [6] .
الدليل الثالث: عن أنس بن مالك - قال: لما كان يوم أحد انهزم ناس من الناس عن النبي - وأبو طلحة - بين يدي النبي - مجوِّب عليه بحَجَفَة [7] . قال: وكان أبو طلحة رجلًا راميًا
(1) [الحشر: 9]
(2) أحكام القرآن لابن العربي 4/ 185
(3) [الحشر: 9]
(4) زاد المعاد 3/ 505
(5) رواه البخاري في كتاب الجهاد والسير برقم (2980) ، ومسلم في كتاب الفضائل برقم (2307)
(6) الموافقات 2/ 370
(7) مُجوِّب عليه: أي مترِّس عليه. لسان العرب مادة (جَوَب) 1/ 287
والحَجَفة: الترس إذا كان من جلود ليس فيه خشب ولا عقب حجَفَةٌ. لسان العرب مادة (حَجَف) 9/ 39، مختار الصحاح مادة (حَجَف) 1/ 53