فهرس الكتاب

الصفحة 155 من 409

الإنسان أو غيره ; لأن نفسه ليست ملكه أيضا، فيتصرف فيها على حسب ما يراه" [1] ."

وهكذا فالحديث نص في تحريم قتل الإنسان نفسه جزعًا وفرارًا من الألم، وذلك أن سبب حرمان الرجل من الجنة الرجل أنه جزع من الجرح وضجر من الألم والأذى الذي لحق به، فبادر بقتل نفسه ليخلصها من ألم الدنيا. [2]

قول آخر لبعض المعاصرين:

مع ما تقدم بيانه عن الفقهاء السابقين من تحريم قتل المجاهد نفسه تخلصًا من الأسر أوالتعذيب والألم، إلا أن الشيخ حسن أيوب قال في كتابه الجهاد والفدائية في الإسلام:"إذا كان الانتحار بسبب أنه تأكد من أنهم يقتلونه، ولكنهم يعذبونه قبل ذلك تنكيلًا به، وإغاظة للمسلمين، فإنه إن انتحر في هذه الحالة فإن انتحاره يكون حرامًا، ولكنه لا يكون كبيرة من الكبائر، ولا يبعد جوازه ... هذا رأيي في الموضوع، لأنه لا نص فيه، ولم أر فيه فتوى لأحد من العلماء" [3] .

قلت: ولم أقف - على حد علمي - على قول لأحد من أهل العلم يبيح للإنسان قتل نفسه في هذه الحالة، كما ذكر هذا الشيخ نفسه، وذكره التكروري في العمليات الاستشهادية في الميزان الفقهي. [4]

أدلة هذا القول:

استدل الشيخ حسن أيوب على قوله هذا بما يلي:

1)ما رواه البخاري عن أبي هريرة - قال: بعث رسول الله - عشرة رهط سرية عينًا وأمر عليهم عاصم بن ثابت الأنصاري، فانطلقوا حتى إذا كانوا بالهَدْأَة - وهو موضع بين عُسْفان ومكة - ذكروا لحي من هذيل يقال لهم: بنو لَحْيان، فنفروا لهم قريبًا من مائتي رجل كلهم رام، فاقتصوا آثارهم حتى وجدوا مأكلهم تمرا تزودوه من المدينة، فقالوا: هذا تمر يثرب، فاقتصوا آثارهم فلما رآهم عاصم وأصحابه لجأوا إلى فَدْفَد [5] وأحاط بهم القوم، فقالوا لهم: انزلوا وأعطونا بأيديكم ولكم العهد والميثاق ولا نقتل منكم أحدًا. قال عاصم بن ثابت أمير السرية: أما أنا فوالله لا أنزل اليوم في ذمة كافر، اللهم أخبر عنا نبيك، فرموهم بالنبل فقتلوا عاصمًا في سبعة. فنزل إليهم ثلاثة رهط بالعهد والميثاق منهم خبيب الأنصاري وابن دثنة ورجل آخر، فلما استمكنوا منهم أطلقوا أوتار قِسِيِّهم فأوثقوهم. فقال الرجل الثالث: هذا أول الغدر، والله لا أصحبكم، إن لي في هؤلاء لأسوة يريد القتلى، فجرَّرُوه وعالجوه على أن يصحبهم فأبى فقتلوه، فانطلقوا بخبيب وابن دثنة حتى باعوهما بمكة ... الحديث. [6]

وجه الاستدلال: أن الصحابي الثالث الذي رفض الأسر كان يعلم أنهم قاتلوه بسبب هذا الرفض، ومع هذا أصر على رفضه حتى قتلوه. [7]

ويناقش هذا الاستدلال بأنه ظاهر البطلان، إذ لا دليل في القصة على جواز قتل المجاهد نفسه بفعله، لأن هذا الصحابي لم يبادر بقتل نفسه، وإنما قُتِل بيد أعدائه.

2)تخريج المسألة على ما نقله ابن قدامة في المغني:"فإذا ألقى الكفار نارا في سفينة فيها مسلمون فاشتعلت فيها، فما غلب على ظنهم السلامة فيه، من بقائهم في مركبهم، أو إلقاء نفوسهم في الماء، فالأولى لهم فعله. وإن استوى عندهم الأمران، فقال أحمد: كيف شاء يصنع. قال الأوزاعي [8] : هما موتتان، فاختر أيسرهما. وقال أبو الخطاب [9] : فيه رواية"

(1) إحكام الأحكام شرح عمدة الأحكام ص:618

(2) الجهاد والقتال في السياسة الشرعية 2/ 1404، هل انتحرت حواء أم استشهدت؟ ص:34

(3) الجهاد والفدائية في الإسلام ص: 167

(4) العمليات الاستشهادية في الميزان الفقهي ص:53

(5) الفَدْفَدْ: الموضع الذي فيه غِلظٌ وارتفاع. لسان العرب مادة (فدفد) 3/ 330

(6) تقدم تخريجه ص: 146 من هذا البحث

(7) الجهاد والفدائية في الإسلام ص:167

(8) الأوزاعي: أبو عمرو عبد الرحمن بن عمرو بن محمد الدمشقي، الحافظ شيخ الإسلام وعالم أهل الشام، كان إمام أهل زمانه، وكان ثقة مأمونًا صدوقًا فاضلًا خيرًا كثير الحديث والعلم والفقه، ت:157هـ. ينظر: تذكرة الحفاظ 1/ 178، سير أعلام النبلاء 7/ 107، طبقات الحفاظ 1/ 85

(9) أبو الخطاب: أبو الخطاب محفوظ بن أحمد بن الحسن الكَلْوَذَاني، إمام الحنابلة في عصره، أصله من كَلْواذي من ضواحي بغداد، ومن مؤلفاته: التمهيد في أصول الفقه، والهداية، والانتصار في المسائل الكبار، وغيرها، ت:510هـ

ينظر: طبقات الحنابلة 2/ 258، سير أعلام النبلاء 19/ 348، الأعلام 5/ 291

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت