استطاعته النجاة منهم بالحيلة أو التضليل.
ففي هذا الاحتمال: هل يقال بجواز قتل نفسه أم لا؟
اختلف الفقهاء المعاصرون في هذه المسألة على قولين:
القول الأول: الجواز. فيجوز للمجاهد في هذه الحالة أن يقتل نفسه.
وإلى هذا القول ذهب بعض العلماء والباحثين، منهم الشيخ محمد بن إبراهيم [1] مفتي البلاد السعودية الأسبق، حيث سُئِل:"الفرنساويون في هذه السنين تصلبوا في الحرب، ويستعملون الشرنقات - إبر حقن الدواء - إذا استولوا على واحد من الجزائريين؛ ليعلمهم بالذخائر والمكامن، ومن يأسرونه قد يكون من الأكابر فيخبرهم أن في المكان الفلاني كذا وكذا، وهذه الإبرة تسكره إسكارًا مقيدًا، ثم هو مع هذا كلامه ما يختلط، فهو يختص بما يبينه بما كان حقيقة وصدقًا؟."
[فأجاب الشيخ:] جاءنا جزائريون ينتسبون إلى الإسلام يقولون: هل يجوز للإنسان أن ينتحر مخافة أن يضربوه بالشرنقة، ويقول: أموت أنا وأنا شهيد، مع أنهم يعذبونه بأنواع العذاب، فقلنا لهم: إذا كان كما تذكرون فيجوز، ومن دليله (آمنا برب الغلام) [2] ، وقول بعض أهل العلم: إن السفينة .... إلخ [3] ، إلا أن فيه التوقف من جهة قتل الإنسان نفسه، ومفسدة ذلك أعظم من مفسدة هذا فالقاعدة محكمة، وهو مقتول ولا بد" [4] "
وممن أجاز هذه الصورة الشيخ حسن أيوب في كتابه الجهاد والفدائية في الإسلام [5] ، والدكتور عجيل النشمي [6] ، والشيخ عبد الرحمن بن ناصر البراك من علماء السعودية المعاصرين في فتوى له [7] ، والشيخ عبد العزيز الجربوع [8] .
ومن أدلة هذا القول:
1)حديث صهيب [9] - أن رسول الله - قال:"كان ملك فيمن كان قبلكم وكان له ساحر ... [وفيه أن الغلام قال للملك:] إنك لست بقاتلي حتى تفعل ما آمرك به. قال: وما هو؟ قال: تجمع الناس في صعيد واحد وتصلبني على جذع، ثم خذ سهمًا من كنانتي ثم ضع السهم في كبد القوس، ثم قل باسم الله رب الغلام ثم ارمني، فإنك إذا فعلت ذلك قتلتني. فجمع الناس في صعيد واحد، وصلبه على جذع ثم أخذ سهمًا من كنانته ثم وضع السهم في كبد القوس ثم قال: باسم الله رب الغلام، ثم رماه فوقع السهم في صدغه، فوضع يده في صدغه في موضع السهم فمات، فقال الناس: آمنا برب الغلام، آمنا برب الغلام، آمنا برب الغلام. فأتي الملك فقيل له: أرأيت ما كنت تحذر؟ قد والله نزل بك حذرك قد آمن الناس. فأمر بالأخدود في أفواه السكك فخدت وأضرم النيران، وقال: من لم يرجع عن دينه فأحموه فيها [10] ، أو قيل له: اقتحم. ففعلوا حتى جاءت امرأة ومعها صبي لها فتقاعست أن تقع"
(1) محمد بن إبراهيم: محمد بن إبراهيم بن عبد اللطيف آل الشيخ المفتي الأول للديار السعودية، فقد بصره في الحادية عشرة من عمره فتابع الدراسة حتى أتم حفظ القرآن الكريم وكثيرًا من الكتب والمتون، تصدر للتدريس وتولى رئاسة القضاء، من مؤلفاته: الجواب المستقيم، تحكيم القوانين، والفتاوى، ت:1389هـ. ينظر: مشاهير علماء نجد وغيرهم ص:134، الأعلام 5/ 306
(2) يشير الشيخ إلى حديث قصة غلام الأخدود كما سيأتي قريبًا في الأدلة.
(3) يشير إلى قول الفقهاء إن السفينة إذا خُشِي غرق جميع ركابها جاز إلقاء بعضهم.
لكن الواقع أن عامة الفقهاء على تحريم هذا الفعل كما سيأتي ببيانه في الأدلة ص: 185
(4) فتاوى الشيخ محمد بن إبراهيم 6/ 207 - 208
(5) الجهاد والفدائية في الإسلام ص:166
(6) مجلة الرابطة في عددها الصادر في شعبان 1423هـ
(7) موقع الإسلام اليوم تاريخ الفتوى 9/ 4/1424هـ www.islamtoday.net
(8) المختار في حكم الانتحار خوف إفشاء الأسرار ص:68
(9) صهيب الرومي (صحابي) :أبو يحيى صهيب بن سنان النمري، ويعرف بالرومي لأنه أقام في الروم مدة، وهو من أهل الجزيرة سُبِي من قرية نَيْنَوَى من أعمال الموصل، من كبار السابقين البدريين، روى أحاديث معدودة، وكان فاضلًا وافر الحرمة موصوفًا بالكرم والسماحة، وكان ممن اعتزل الفتنة، ت:88هـ. ينظر: الاستيعاب في معرفة الأصحاب 2/ 726، سير أعلام النبلاء 2/ 17، الإصابة في تمييز الصحابة 3/ 449
(10) فأحْموه: بهمزة قطع وحاء ساكنة أي ارموه، وفي نسخة لصحيح مسلم بالقاف (وأقحموه) أي اطرحوه كرهًا. الديباج على صحيح مسلم بن الحجاج 6/ 306